HevgirtinKurdi عربيEnglishSwedishDeutsch

 
 

rojava@rojava.net

 
   


حكاية تيمور الكردي الناجي الوحيد من مقبرة السماوة الجماعية
 

 rojava.net 16.06.2005

 

 

 

 

 

 

 

 

 



خالد المعالي

 

لم أكن أعرف شيئاً عن «عمليات الأنفال البطولية» (وتلك هي تسميتها الرسمية كما كانت بيانات علي حسن المجيد تعلن عنها عبر الأثير العراقي في برقيات إلى «القائد الضرورة») حتى ذلك اليوم من عام 1993 عندما نشرت جريدة «دي تسايت» الألمانية الأسبوعية ملفاً أنجزه كنعان مكية. وقد تضمن الملف حكاية تيمور، الصبي الكردي الذي استطاع جريحاً الهروب مساء من مقبرة جماعية في صحراء السماوة، وكيف أنقذته بدوية، بمعالجته وإخفائه لفترة عامين حتى تم إيجاد أقرباء بعيدين له في الشمال العراقي. (ذلك أن جميع أفراد عائلته راحوا ضحية عمليات الأنفال)، وهُرِّب تيمور إلى أقاربه قبل غزو الكويت عام 1990 في عملية دبّرها الدفء الإنساني والبساطة.

رعب التفاصيل الكاملة لعمليات الأنفال التي أودت بحياة 180 ألف مواطن عراقي كردي، تقاسمتهم مقابر جماعية مماثلة لتلك التي حوت غيرهم من العراقيين على طول هذا الوطن العراقي... ورعب التفاصيل الخاصة بحكاية تيمور جعلاني أفكّر فوراً بأختي خيرية، التي ما زالت حياتها قيد البداوة، تلك الحياة التي تركناها نحن جميعاً، إلا هي... هيأ لها مصيرها أن تثير الكلابُ انتباهها إلى مصير تيمور، الصبي الكردي الهارب من المقبرة الجماعية إلى خيمتها، الصدفة والقصد يتلاقيان في متاهة الصحراء... بعيداً من كابوس «البعث» وفي الخضم أيضاً.

لمعرفة التفاصيل فكّرت بالحديث الهاتفي إلى أخي الأصغر كامل، الهارب من العراق آنذاك والمقيم في مخيم رفحا في السعودية، بعد مشاركته في انتفاضة عام 1991، والذي ما إن ذكرت له اسم تيمور حتى أخبرني بحكايته وحكاية هربه من المقبرة الجماعية، وكيف تنبهت إليه أختي مساء، حينما نبحته الكلاب، حيث وجدت تيمور جريحاً لا يفقه العربية، تائهاً لا حول له ولا لغة.

والحكاية التي يرويها كنعان مكية بدقة في الملف المذكور، هي فصل كامل من كتابه »القسوة والصمت»، والذي على رغم ترجمته إلى العربية عام 1994، بقي بعيداً من التداول في البلدان العربية تجاوباً مع رغبة عارمة ما زالت سارية في ثقافة عربية لا تعترف بالآخر، حتى لو كان جزءاً منها، رغبة عارمة تسيطر على عقلية المثقف العربي، حتى لو كان من طراز عالم اجتماع مرموق مثل عبد الله العروي، الذي تلتغي لديه مواصفات الموزاييك الاجتماعي العراقي وتُختصر إلى شخصية «صدام حسين» الذي لا ينم ما يكتبه عنه عن أي تفصيل آخر يعرفه القاصي والداني من العراقيين، عكس تحليلاته الدقيقة للساسة المغاربة والجزائريين، انظر كتابه: «خواطر الصباح، الجزء الثالث»، باختصار في هذه الحالة لا يختلف تفكير عبد الله العروي عن المواطن العربي العادي الذي تحركه الفضائيات القاتلة، ويبقى السؤال ملحّاً هنا: من أنتج من؟ العروي رأي العامة، أم العامة أنتجت رأي العروي في العراق!

بقيت هذه الحكاية تدور في داخلي، لا تعرفها إلا القلّة من الأصدقاء، أحياناً أرويها لأصدقاء أكراد عراقيين يدفعهم التطرّف في خطابهم إلى الإعلان عن معاداة العرب، لكي أحاول أن أبيّن لهم أن البعد الإنساني أكبر من ضيق أفق الخطابات ذات المنزع القومي أو العرقي أو الطائفي، على رغم شعوري بالخطر على حياة أختي من جرارة الذبح الصدامية التي كانت تحصد الأخضر واليابس من أرواح الأحياء المقيمة والعابرة. إنها حكاية السرّ الإنساني، الأخوة الثابتة في جوهر الإنسان.

عندما سافرت عام 1993 إلى مناطق العراق الكردية المحررة، حاولت أن التقي تيمور، ولم أوفق بسبب ضيق الوقت، ولكني بعد عشرة أعوام تمكنتُ أنا نفسي من زيارة العراق والوصول إلى مرابع الطفولة والشباب في مدينة السماوة وما حواليها، حيث انتشرت 24 مقبرة جماعية موزعة بين الصحراء، الريف والمدينة، ضمت عراقيين من كل الطوائف والأعراق، وكويتيين أيضاً، ووحدها المقبرة التي «اكتشفتْ» أخيراً وتضم 1500 ضحية، ضحاياها جميعهم من الأكراد فقط، أقول: «اكتشفتْ» لأن الجميع هناك يعرف خبر هذه المقابر وأخبار غيرها من الكوارث التي يمكن ملاحظة آثارها على الطبيعة، على البشر والشجر، وويل لمن فتح فمه أو أعتُقد بأنه يفعل ذلك في عراق «صدام حسين» و«بعثه»

عندما رأيت أختي التي كنت أرعى معها الماشية حينما كنا صغاراً وتربطنا ذكريات طفولة ومماحكات، أختي التي بقيت تجهل القراءة والكتابة، وقبلت مصيرها وتزوجت وأنجبت... ثم زوّجت بناتها وأنجبن هنّ بدورهن أحفاداً، أختي التي أضحت جدة، ما زالت تملك ذلك الحس الساخر والروح المرحة، على رغم علامات الوقار التي تفقدها حينما نعود إلى ذكريات أيام رعي الأغنام، البحث عن المشروم وصيد الجراد. أقول: عندما رأيتها، لم أعد أتذكّر ما إذا كنّا تحدثنا عن تيمور، ربما مرّ ذكره سريعاً ولم نتوقف عنده كثيراً، فهو تحصيل حاصل عندها، وربما شدّتنا الذكريات الشخصية أكثر، شدّنا تأمل واحدنا الآخر، ماذا فعل الدهر به، كيف خدّد له وجهه وجعل المشيب يخط شعره، فقد كنا نتكلّم باختصار! نقول فقط ما قلّ ودلّ.

أختي الفقيرة حمّلتني الأبسطة الصوفية والمخدات التي تحوكها هي وبناتها بأيديهن كهدايا أزيّن بها مقامي في «الغربة»، هدايا حملتها معي باعتزاز... وحينما سألت كبرى بناتها، أنا الخال القادم من بعيد والذي لم تره أبداً، عن حال زوجها وعمله، أخبرتني بنبرة ساخرة: «قتله الرفاق». وكانت تعني أن البعثيين قتلوه أيام ئذ! إجابة أضافت ألماً إلى ألم متراكم وسيتراكم...

 


الحياة 14/6/2005

 


 

 
 

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 
 

HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE

 
 
 
حقوق الأنسان

لوحة الكتابة بالعربية

الأرشيف

مواقع لكسرالحجب

موقع الطفل الكردي