rojava@rojava.net

 
 

هوشنك اوسي

 متى نفهم سليم بركات...؟
 

 لا نسمع.. لا نرى.. لاااااا نتكلم...!

  
 لماذا القوس الثالث؟


جدارية " يلماز غونيه " للفنان التشكيلي GURO اختزال لظاهرة إبداعية

 

عذراً، دولة الرئيس...لا يليق بكم أن تكونوا جنرالاً تركياً..!!.


Xwezî Şeyda Te Zanîba Bê Te Çikir Bi Me


 
خمسة مناضلين و((مناضلة))‍‍‍

 

Xwar rûne û rast bipeyive


من قاسيون أطِلُّ يا وطني فلم أعد أرى دمشقَ...!!؟


الدولة الوطنية وضرورتها في الشرق الأوسط.


الأمسيات الثقافية الكردية الدمشــقية تجربة رائدة تنتظر المزيد من الاهتمام

 
 
 
 
 
 
 
 


 

 


 

 

 
 
 
 

 

الدولة الوطنية وضرورتها في الشرق الأوسط.

 .30.09.2005_ rojava.net

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       مجمل القراءات الاستراتيجية للاهتزازات العنيفة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط_ منذ بداية النصف الثاني من القرن المنصرم وحتى اللحظة_ تفضي لنتيجة مفادها، إنها ذات منشأ قومي، سواء التي أخذت طابعاً دينياً أو علمانياً. ما أدى إلى خلق موديلات قومية للنظم والدول في هذه المنطقة، كانت من أسوأ الموديلات في العالم. فمنطقتنا التي كانت مسرحاً أو مهداً لنشوء فكرة الدولة، هي نفسها التي تعاني حالياً من كوارث التعاطي الخاطئ والمشوَّه مع تلك الفكرة. ما أفرز جملة من المشاكل والقضايا القومية المستعصية الحل، مع وجود الدولة القومية في أكثر تجلياتها  شمولية ومركزية واستبداداً. ما أفضى إلى نشوب حروب داخلية وإقليمية على خلفيات قومية، حصدت أرواح الملايين من البشر.

ففي وقت أودت الحرب العالمية الثانية بالدولة القومية المستندة للأيديولوجيا النازية والفاشية القائمتين على نظرية التفوق العرقي، بدأت منطقة الشرق الأوسط تشهد نمو وتصاعد هذه النزعة الاستعلائية، واستيلاءها على الحكم في سوريا والعراق ومصر وإيران، ومن قبلها تركيا والسعودية. وجود هذه النظم، وبتلك الصيغة المتطرفة دينياً وقومياً، أحدث دماراً وخراباً كبيرين في بنى المجتمعات التي كانوا يحكمونها، ناهيكم عن إحداث إتلاف كبير في مفاهيم الدولة والمواطنة والنظام الجمهوري في الوعي الجمعي لشعوبها. وتحت ضغط وتأثير معطيات العصر وتحولاته المتسارعة، باتت فكرة الدولة الوطنية_ كإحدى أهم وأبرز المخارج الديمقراطية لأزمات الشرق الأوسط عموماً والقومية منها خصوصاً_ تطفو على سطح الحراك السياسي والثقافي غير الرسمي في المنطقة. ولتسليط المزيد من الضوء على هذه الموضوعة_أعني الدولة الوطنية_ لا مناص أمامنا من العودة للوراء قليلاً، بغية التعرف على مفاهيم الدولة والمواطنة والوطنية وصولاً لفك تشابكاتها، وفهم علائقها مع بعض.

      تاريخياً، شهدت بلاد ما بين النهرين "موزوبوتاميا" ومصر وغيرها، ولادة أولى نماذج الدولة المركزية، ككيان قائم على مفهوم  متباين لمفهوم الدولة الحديثة المعاصرة المتعارف عليها حالياً. حيث غلب عليها المضمون العضوي الرابط بين الناس وحاكميها. وفي الفترة الفاصلة بين القرن السادس إلى  الثاني قبل الميلاد، تأسست في اليونان دول مستقلة سميت بـ polis"" أو "metro polis -  المدينة الأم"  كأثينا واسبرطة وغيرهما. أطلق الفكر السياسي المعاصر تعبير مجازي عليها هو "دولة المدينة". لأنها لم تكن دولاً بالمعنى المقصود  للمصطلح أو المفهوم حالياً. وذلك، لطبيعة تكوين وتركيبة هذه المدن، وعدم وجود نظم دينية أو قوى قبلية حاكمة للناس وضابطة ومسيّرة لأحوالهم، وتنسبهم إليها. فقد بدأت فكرة انتماء الشخص إلى المدينة ذاتها، فيما يسمى مواطنة أو "ممادنة" – نسبة للمدينة –  تطفو على السطح التعاملات السياسية والاجتماعية في بلاد اليونان، من ثم انتقل هذا المفهوم إلى روما المدينة. فكان الشخص الروماني ينسب إلى مدينة روما، فيقال عنه إنه ممادن روماني – أي مواطن روماني – يحمل صفة   "الممادنة" أو الموطنة الرومانية. مفهوم المواطنة في هذا الواقع اندمج في المدينة التي كانت هي الكيان الأساسي سياسياً واجتماعياً واقتصاديا للجماعة وللفرد على حد سواء.

في العصور الوسطى، وعقب انتشار المسيحية والإسلام كدينين عالميين، بدأ مفهوم المدينة المستقلة كوحدة سياسية واجتماعية واقتصادية ينحسر ويتلاشى رويداً، تحت تأثير ما خلقته الديانتان من معطى فكري، قلَّب سابقه المتعلق بقضايا تنظيم حياة والجماعات المشتركة بالعيش ضمن دائرة جغرافية أو معتقدية واحدة، رأساً على عقب. وبالتالي، فقد حدث نوع من الفرز الديني، أعتُبِر الأساس في تحديد هوية الإنسان، وما نجم عنها من ترتيبات ولواحق ناظمة لما له من حقوق، وما عليه من واجبات، وفق ما تمليه تلك الهوية. وعلى ضوء ما سلف، فقد كان واقع الشخص في ديار الإسلام أو في مثيلاتها المسيحية، يتحدد بموجب معتنقه الديني، حيث كان المعتقد، يمثِّل البديل عن مفهوم المواطنة. في وقت تولى تقسيم كعكة الجغرافيا المسيحية في الغرب، أمراء أو أسياد ينتسب إليهم أهل الإقطاع التابع له، تحوَّل العالم الإسلامي إلى "دويلات" إمارات أو ولايات يحكم كل منها أمير أو والي أو سلطان أو شيخ أو ما ماثل. وكانت الإمارة أو الولاية عادةً تنسب إلى القبيلة أو الأسرة الحاكمة أو مؤسسها، كـ" الأمويين، العباسيين، الأيوبيين، العثمانيين، الصفويين،   الأخشيديين، الطولونيين، الأدارسة،...". وكان الناس في هذه الإمارات أو الولايات يعتبرون رعايا للحاكم الذي هو الراعي لهم. وبالتالي، فهم خاضعون لأمره ونهيه بشكل مطلق، بموجب الدين الذي يخوله ويمنحه هذه الصلاحيات المفتوحة والصارمة اللامتناهية، للقيام بمهمة الحكم. فمفهوم الراعي والرعيَّة الإسلامي فتح الباب على مصراعيه لتكريس الوعي القطيعي لدى العامة، الذي بدوره، مهَّد لربط سلطة الحاكم بـ"الميتافيزياء" أو سلطة الألوهة الغيبية، أو الإيحاء بأنها مستمدة منها. وهذا ما يفسِّر ربط الكثير من حكَّام المسلمين أسماءهم أو نعوتهم باسم الله، كـ" المعتصم بالله، المعتضد بالله، المستنصر بالله، المستعلي بأمر الله، الحاكم بأمر الله...الخ". ووازى ذالك في الغرب أيضاً من تسلط الكنيسة الكاثوليكية في منح البابا صكوك الغفران والتزكية للكثير من الأمراء والنبلاء والأرستقراطيين المولالين للكنيسة، ما أطلق يدهم في ممارسة "الاستبداد الشرعي"، ومكَّنهم من إحكام قبضتهم على الرعية المسيحية.    

      أوروبياًُ، وعشية عصر التنوير في أوروبا، بدأت تنشأ مدن جديدة على الطرق الرئيسة فيما بين الإقطاعيات، سميت هذه المدن في البداية "burg" حيث كانت في أساسها برجاً يستعمل للأغراض العسكرية، من ثم أقيم حوله بعض المساكن والمتاجر والمحال. ونظراً لاتصاف سكان هذه المدن بصفات أخرى غير صفات سكان الإقطاعات، أهمها، عدم تبعيتهم القانونية والسياسية المباشرة للأمير. ما دعا لنعتهم بالبورجوازيين، نسبة إلى مفردة "برج – burg". فأعتقد بأن تلك التجمعات السكانية حول الأبراج، هي أصل المدينة الحديثة، كإحدى نتائج الثورة الصناعية التي بدأت في إنكلترا،  وعصر النهضة والتنوير الذي بدأ في إيطاليا ثم فرنسا، بالإضافة لما أنف ذكره.

      إسلامياً وشرق أوسطياً، لم يكن لمفردة الدولة تداولها أو شيوعها ضمن أدبيات ذلك العصر، العاكسة أو المترجمة لواقعه، وفق المفهوم الحالي لها. ففي معاجم اللغة العربية القديمة، لا يوجد ذكر لكلمة دولة بمعناها الإداري والسياسي، حسب اعتقادي. وإنما ورد هذا اللفظ، بمعنى تداول الرأي أو  الأمر أو الشيء بين أفراد متعددين، بما يوازي مفهوم الشورى والتوريث أو التوزيع. وقد وردت الكلمة بهذا المعنى في القرآن الكريم في الآية "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم "، سورة الحشر – 59، وهي تشرح كيفية توزيع ضريبة "الفيء" التي هي لله ورسوله أولاً وأهله وأنواع محددة من المسلمين. وقد بدأ استعمال مفردة الدولة بالمعنى المتعارف عليه حالياً في اللغة العربية منذ نهاية القرن التاسع العشر وبداية القرن العشرين، علاما أعتقد. وذلك، في تعاملات الناس الشفوية والتحريرية. وأقرَّ مجمع اللغة العربية هذه المفردة بمعناها السياسي الاقتصادي الاجتماعي المعروف وقتها. فورد في المعاجم الحديثة، مثل المعجم الوسيط هذه المفردة بمعنى: "جمع من الناس مستقرون في إقليم معين ذو حدود معروفة، مستقلون وفق نظام خاص بهم"  (المعجم الوسيط، مادة الدولة). واعتمدت وسائل الإعلام والمراجع التاريخية هذا الاصطلاح للإطلاق على كافة الكيانات البشرية المستقلة عن غيرها ضمن حيز جغرافي خاضع لنظم معينة، عبر التاريخ. علماً أنها لم تكن تستوفي الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية المعروفة للدولة حاضراً.

مفاد ما سلف، إن المعطى التاريخي، خلال القرون الوسطى، لا يثبت  تعاطي النظم الحاكمة وقتها بمفاهيم الدولة والحكومة والمواطنة حسب ما متعارف عنها حالياً من دلالات سياسية، اجتماعية، اقتصادية، قانونية، حقوقية، ثقافية، ونفسية. حيث كانت هوية الفرد والتزاماته وحقوقه تحددها حالته الدينية. بمعنى، إن المعتقد الذي يدين به الإنسان، والمكان الذي يتواجد فيه، هما اللذان يحددان طبيعة علاقته بتلك الرقعة الجغرافية في ذلك الحيز الزمني. فالمسلم في الديار الإسلامية، له وضعية سياسية اقتصادية اجتماعية نفسية، مختلفة عن وضعية المسلم المتواجد في الديار المسيحية، والعكس صحيح.

      قبل الثورة الفرنسية سنة 1789, كان الفرنسيون منقسمين لثلاث طبقات هي، رجال الدين, النبلاء, والعامة. وكان كل شخص ينسب إلى طبقته. والسلطة التشريعية البرلمان، هي أيضاً كانت مقسَّمة إلى ثلاث كتل نيابية، تمثل كل واحدة منها إحدى طبقات الشعب الفرنسي. وغداة الثورة، أنهار النظام الطبقي، وصار الشعب موحداً ضمن طبقة واحدة. ونتيجة ذلك، صار انتماء الإنسان الفرنسي مرتبطاً ببلده من أقصاه لأقصاه. أي بفرنسا، على اعتبار أنها مدينة واحدة موحدة. وأنتج الواقع الناشئ مفاهيماً جديدة، تقارب ونفس التي كانت متداولة في بلاد الإغريق، إبان ازدهار ما اصطلح عليه وسبق ذكره، أي " دولة المدينة" فأصبح الفرنسيون ينادون بعضهم البعض بتعبير "يا مواطن". بذا، طفا على سطح التعامل السياسي، وفي الصيغ القانونية مفهوم "المواطنة" وأخذ يترسَّخ ويتجذَّر في الأعراف والمواثيق الدولية.

ويمكن تعريف مفهوم المواطنة بأنه تعبير عن العلاقة القانونية للفرد بالدولة التي عاش ردحاً معيناً أو مازال يعيش فيها، وما يترتَّب على هذه العلاقة البينية من حقوق وواجبات، من قبل الطرفين تجاه بعض. بقطع النظر عن معتقد الفرد أو جنسه أو لونه أو لغته، من جهة. ومن جهة أخرى بقطع النظر إن كانت هذه الدولة هي الحاضنة للموطن الأصل للفرد أم لا. وبالتالي، فهذه العلاقة القانونية بين الفرد والدولة، التي ينظمها الدستور، لا تكون منَّة أو هبة أو منحة يقدمها الفرد للدولة، ولا العكس. ولا تكون عرضة للزيادة أو الانتقاص، إلا بحكم قانوني نابع من الدستور أو القانون الساري على جميع شرائح ومكونات المجتمع الذي تحكمه الدولة، دون استثناء. وعلى ضوء ما سبق، فمفهوم المواطنة يختلف عن مفهوم الوطنية. الأول، ذو صبغة قانونية سياسية اجتماعية اقتصادية ثقافية. والثاني، ذو عمق نفسي وأخلاقي قيمي، يأخذ أبعاد سياسية وثقافية تحدد ملامح هوية الانتماء أو الارتباط بالوطن المنشأ فقط، وحجم الولاء له. لكن، هذا لا يعني البتَّة بأن كلا المفهومين الوطنية والمواطنة ينطويان على مضمون إنساني، مع فارق نسبي لصالح الأول. لأن كليهما يدعوان إلى تحرر المرء من الظلم والاستبداد والاستعباد لشخص آخر. وإلغاء كافة مظاهر المولاة أو التبعية والطاعة العمياء أو سواها من القهر والظلم، التي تجعل كيان الإنسان وقيمه المادية والمعنوية، وربما حياته في وضع خطر خاضع لمعايير التسلُّط والاستبداد، بدءاً من رغبة فردية أو نزوة سلطانية يبديها الحاكم تجاه محكومه، وصولاً إلى استبداد أو اضطهاد الدولة أو النظام الحاكم، والمشكِّل لها، أو الفاعل فيها. دون أن يكون هنالك ضمانات رادعة ثابتة واضحة محددة، مرسومة وفق قوانين أو دساتير، تنظم الوعي العام، وتسيّر قضاء مستقل كفء ونزيه، يكون كفيلاً بتنظيم العلاقة بين المواطن والوطن، وفق مبدأ المواطنة. وبالتالي، تحدُّ من تسلُّط فرد على فرد، أو جماعة على جماعة، قومية كانت أم أثنية أو دينية أو طائفية...الخ، علاوة على الحدّ من تسلُّط الدولة على الفرد والمجتمع. وكلا المفهومين "الوطنية والمواطنة" آتيان من مفردة الوطن التي تعني جغرافيا معينة التي ولد عليها الإنسان، وساهمت في تكوين وعيه وتشكيل شخصيته، وتشغل حيّزا هاماً من ذاكرته، بصرف النظر إن كانت هذه الجغرافيا هي محل إقامته الدائمة أم لا. وبالتالي، فالوطن هنا مبنى ومعنى، والحاضنة المحددَّة بجغرافية وتاريخ معيَّن. تلك الجغرافيا المعبَّرة عن الحيّز المكاني الذي يضمُّ حيوات الناس الاجتماعية والاقتصادية والسياسة والثقافية المشتركة، بوقائعها وواقعها وماضيها، ومستقبلها المشترك، هي التي نختزلها في مفردة الوطن.

      أثبتت التجارب التاريخية في العصر الحديث بأن النظم العقائدية في غالبيتها هي شمولية، بصرف النظر عن ماهية وطبيعة هذه العقيدة، دينية أو دنيوية، إسلامية أو علمانية، قومية أو يسارية. ويمكننا هنا إعطاء بعض النماذج عن هذه النظم : إسلامياً، يمكن أخذ إيران والسعودية. علمانياً قومياً، النظام التركي والبعث العربي في سوريا حالياً والعراق – سابقاً، والنظام الناصري في مصر. علمانياً يسارياً، الاتحاد السوفياتي السابق وكوريا الشمالية والصين وكوبا. هذه النظم سعت وتسعى حتى الآن إلى تحوير أو تحويل الوطن من حالة مادية ومعنوية منفتحة على كافة مكوناتها وتفاصيلها المشتركة في صنعه، إلى صيغ عنصرية ضيقة مؤدلجة، ومقوِّضة لكل مبادئ ومدلولات الوطن لصالح فئة أو جماعة معينة، تنصِّب نفسها وصية على الوطن وصولاً لدمجه فيها، أو في تنظيمها السياسي الذي تفرض كيانه وهياكله بديلاً عن الوطن، ويربط وجود الوطن بوجوده. وبالتالي، يكون مدى الوطنية واستحقاقات المواطنة مرتبطة  وخاضعة لمدى الانتماء لها، والولاء لنهجها ومسلكها السياسي والأيديولوجي الذي اختزل الوطن فيها.

وهكذا، تعرض الوطن إلى حالة تقويض محكمة, ومفهوم المواطنة بكل ما يحتوي من مضامين مادية ومعنوية، واعتبارات حقوقية إلى نسف وإفراغ من محتواه. حيث يصبح الإنسان منتمياً إلى تنظيم معبِّر عن مصالح جماعة معينة، وليس إلى الوطن المعبِّر عن مصالح كل أبنائه. وصولاً لأن أصبح ولاء الشخص لشخص آخر، أو لأشخاص معينين ومحددين، وليس لشركائه من المواطنين في الوطن بشكل عام، ولقانونه ومؤسساته الدستورية بشكل خاص.

      الواقع الموزاييكي القومي والإثني والديني والطائفي الشرق أوسطي، والتركيبة المعقَّدة له، الناجمة عن التجاور والتداخل والتشابك الحضاري لشعوبه، من الصعوبة بمكان تجاوزه أو إهماله أو تجاهله أثناء صياغة أي مشروع سياسي معِّبر عن تطلعات هذا الواقع. بمعنى، لا يمكن فك الارتباط والاشتباك الحضاري الشرق أوسطي بنماذج من النظم والدول القائمة على احتكار القومية الواحدة، والدين والواحد والمذهب الواحد، حتى لو كانت هذه القومية أو الدين أو المذهب هم الأغلبية. والمعطى الحالي للدول القومية والدينية الشرق أوسطية التي أنتجتها أيديولوجيات شمولية، أكدَّ وبما لا يدع مجالاً للشك، عجز هذه النماذج من حل القضايا القومية عن طريق الاستبداد والقمع الذين هما السمتان الرئيستان لهذه النظم والدول.

وباعتقادي أن قضية رسم خرائط "جيو قومية أو دينية أو طائفية...الخ" تكون قادرة على فض أو فك أو الحدّ من التمازج والتداخل الحضاري الشرق أوسطي، ستبقى معضلة مستحيلة الحل، مع هذا الانفتاح الهائل للثقافات والحضارات على بعضها الذي أفرزته العولمة وثورة المعلومات والتقانة. وبالتالي، فالشرق الأوسط بحاجة إلى أن يعيد إنتاج نفسه بما يتواءم ومعطيات العصر. وصولاً لتجاوز محنه واختناقاته وأزماته السياسية والاجتماعية والثقافية الحالية، والتي تتحمَّل مسؤوليتها الأيديولوجيات والعقائد الشمولية التي أفرزت نظماً استبدادية. وإعادة الإنتاج الآنفة الذكر، مبتدؤها الإصلاح، وخبرها الديمقراطية، وثمارها، دولة القانون والمؤسسات المعبِّرة عن مصالح كل مكونات الوطن. فثمة علائق وطيدة تتابعية بين الإصلاح والديمقراطية والدولة الوطنية.

      السؤالان  اللذان يفرضان نفسيهما هنا: كي يشهد الشرق الأوسط انتعاشاً جديداً، وذلك بولادة نماذج للدولة الوطنية، هل هنالك تجارب أو إرث  لهذا النموذج في هذه الرقعة الملتهبة من العالم، التي حوَّلتها نظمها الشمولية إلى حقول ألغام قومية دينية طائفية؟. وهل يمكن إجراء عملية إصلاح حقيقي، استناداً لحوامله الثلاث، السلطة، المعارضة، المجتمع، بمنأى عن العامل الخارجي؟. بخصوص الإجابة على الأول، فلا يمكننا أن نجد نماذج حقيقية للدولة الوطنية في الشرق الأوسط، باستثناء لبنان الذي يعتبر أحد النماذج المقبولة لها. لكن، دون أن نغفل أنه كان هنالك مناخاً وطنياً ساد سوريا غداة الجلاء الانتداب الفرنسي، ما لبث أن زال، بتأثير الوحدة بين سوريا ومصر في 1958، وما تلا ذلك من انقلاب البعث العربي الاشتراكي على ما تبقى من ذلك المناخ في 8/3/1963. وقد أطلق المتابعين لتاريخ سوريا المعاصر على تلك الحقبة الممتدة من 1946 – 1958 بالعهد الوطني. حيث كانت الحياة السياسية السورية تتمتع بهامش واضح من الحرية والتعددية السياسية، والحياة البرلمانية، وحرية الصحافة، نوعاً ما. إذاً، لا يوجد إرث أو ثقافة إصلاح في المنطقة يمكنها أن تكون القاعدة أو الركيزة التي يمكن أن تستند إليها أية عملية إصلاحية جادة تشهدها المنطقة.

أما بخصوص الإجابة على السؤال الثاني, ما أعتقده أنه لا مصلحة للسلطة المتمثِّلة في النظم الشمولية الأمنية في الإصلاح. لأنه سيؤدي إلى تحجيم وتقويض وتقنين  سلطاتها المهيمنة على الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية...الخ، والمتحكِّمة بالمفاصل الحيوية في صناعة القرار السياسي والعسكري والاقتصادي في الدولة، وصولاً لإلغائها. وبالتالي, فالإصلاح الذي مؤداه الديمقراطية، سيكون كفيلاً بإعادة الدولة التي صادرتها هذه النظم، إلى المجتمع. وإنهاء احتكارها للمجتمع والوطن، ووصايتها عليهما.  إذاً، يستحيل أن تحفر السلطة قبرها بتبنِّيها عملية إصلاح حقيقي، بالضرورة سيودي بها، من جهة. ومن جهة أخرى، هي غير مؤهَّلة ولا مهيأة فكرياً وأخلاقياً للقيام بعملية الإصلاح, كونها غير مستعدة أبداً لإلغاء ذاتها. كما أن المعارضة أيضاً غير قادرة على قيادة عملية الإصلاح، لشللها وعجزها التام على تحريك المجتمع الواقع تحت سطوة النظام من جهة, ولأنها_أي المعارضة_ لم تخرج بعد من دوائر النظام الحاكم, كونها مازالت عبارة عن ظلال قزمة وصدى ركيك له. وعلى سبيل المثال لا الحصر، المعارضة العربية في السورية، بشقِّيها الإسلامي والعلماني القومي واليساري، كانت حتى قبل انتفاضة 12 آذار الكردية في سوريا تحذو حذو السلطة برفضها الاعتراف بوجود قضية كردية في سوريا. ليس هذا وحسب، بل تجاوز هذا الرفض حدود الوطن السوري برفض الكثير من رموزها للحقوق القومية السياسية الكردية في العراق. أما المعارضة العربية العراقية، فقد كانت حتى قبل انهيار نظام البعث في العراق، تعلن تأييدها للحقوق القومية الكردية في العراق ومنها الفدرالية. لكن، عملية صياغة الدستور العراقي الجديد أثبتت أزدواجيتها وتنصُّلها لما كانت عليه. ووضعها العراقيل أمام مطالب الكرد في الدولة الفدرالية التي تعتبر أحد أهم أشكال الدولة الوطنية. فقد أصبحت عملية صياغة الدستور العراقي هو الامتحان والمحك الحقيقي للمعارضة العربية العراقية. هذا المحك الذي جعل كل موروثات النظام البعثي في ذهنية وفعل المعارضة_بعد أن أصبحت هي السلطة_ تطفو على سطح الواقع العراقي الجديد. وعليه، فحتى المعارضة العربية، ليست لها مصلحة حقيقية في الإصلاح والديمقراطية، كونها لا تمتلك إرث أو وعي ديمقراطي يتجاوز وعيها القومي المؤدلج إسلامياً ويسارياً. أعتقد أن بمقدار ما تكون المعارضة ديمقراطية فهي وطنية، والعكس صحيح. بمعنى، ثمة علاقة طردية جدلية بين الوعي والفعل الديمقراطي والوعي والفعل الوطني. والوعي الديمقراطي الوطني منوط ومشروط بقبول الآخر كما هو، بما له وما عليه، لا كما نود رؤيته فيه بما يتناسب وكينونتنا، ويتعارض مع كينونته. وباعتقادي أن المعارضة المستندة إلى أيديولوجيا عقائدية شمولية، ستبقى تعاني من قصور ديمقراطي، المؤدي إلى قصور وطني. هكذا معارضة، من الصعوبة بمكان أن يكون لها إسهاماتها الجادة والفاعلة في التأسيس لدولة وطنية، عبر تبني وخوض عملية إصلاح حقيقي. كون هذه المعارضة هي أحوج من السلطة لأجراء عملية إصلاح ذاتي يؤهِّلها لقيادة فعل مجتمعي ضاغط على السلطة، بغية حثَّها على السير نحو الإصلاح والانفتاح والديمقراطية.

وأما الحامل الثالث لعملية الإصلاح، ألا وهو المجتمع، فهو أيضاً لا  يمتلك ثقافة مغايرة أو مختلفة عن ثقافة النظام الحاكم له. فالمجتمعات الشرق أوسطية تعرضت لعملية تخريب ممنهجة طويلة الأمد، حوَّلته لأنقاض منتجة وداعمة لدكتاتورياتها الحاكمة لها. وبالتالي، فهي عاجزة تماماً عن خوض حراك يحرِّض ويحفِّز نظمها على إجراء الإصلاح الحقيقي المرجو، بغية الخروج من أزماتها السياسية والاقتصادية. فقد حوَّلت النظم الشمولية شعوبها ومجتمعاتها إلى ما أشبه لتجمعات الدمى الفاقدة للوعي والإدراك لما يدور ويجري من حولها من تطورات وأحداث داخلياً وخارجياً. بمعنى، جماعات لا حول لها ولا قوة إلا بأمر النظام الذي رسَّخ سلطانه عليهم عبر نشر وتكريس ثقافة الرعب والإرهاب السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي  والنفسي...الخ بينهم.

      على ضوء ما تقدم، يظهر جلياً أن إفساد النظم الشمولية لمجتمعاتها ومعارضاتها، أدى إلى تمهيد الطريق أمام  تدمير المجتمع والدولة، من خلال التآكل والنخر الداخلي الذي يشهدانه. وبالتالي، يكون الإصلاح قد فقد حوامله الثلاث، ما يجعل من حدوثه أمراً صعباً وعسير المنال. وطبيعي ان تلجأ هذه النظم إلى إجراء بعض عمليات التجميل والمكياج "الإصلاحية" التصليحية، كنوع من الصيانة الدورية لماكينتها الاستبدادية التسلطية، لزوم التنفيس والاستهلاك الداخلي والترويج الخارجي، كما يحدث في سوريا وتركيا ومصر وليبيا والسعودية...الخ. وأعتقد أنه بمقدار وجود معوقات حقيقية أمام عملية الإصلاح والتحول الديمقراطي الشرق أوسطي، تبرز الأهمية الحقيقية والضرورة المصيرية للدولة الوطنية. فالإصلاح هي حاجة لتجدد وضرورة التغيير، ومعاناة وقرار صعب لا رجعة عنه. والديمقراطية هي وعي وثقافة وفعل وسلوك حضاري تراكمي ذاتي وموضوعي في آن. والوطنية هي انتماء والتزام وواجب وأخلاق وقيم. والمواطنة هي هوية وحق وواجب وحضور وشراكة في صناعة حاضر ومستقبل الوطن، تحت سيادة القانون. والدولة الوطنية هي مجمل كل ما تقدم. وبالتالي، يمكننا اعتبار الدولة الوطنية حتمية تاريخية في الشرق الأوسط على أقل تقدير، لأنها المجسِّدة لقيم العدل والحرية والمساواة التي طالما كانت شعوب الشرق الأوسط محرومة منها، وتتوق إليها. وهي_أي الدولة الوطنية_ ليست فعل ميكانيكي سيحدث بزوال النظم الاستبدادية تلقائياً، لا قطعاً. بل هي نتيجة مخاضات شديدة تعانيها المجتمعات، مع توفر الإرادة والنية الصادقة لدى جميع مكونات الوطن في السير نحوها، مهما كانت فاتورتها باهظة مادياً ومعنويا. فديمقراطيات الغرب تأسست على خلفية حربين كونيتين والعديد من الحروب الأهلية والإقليمية وصراع مرير مع الكنيسة. وبالمحصلة، انتصرت قيم العدل والحرية والمساواة في الغرب نتيجة تضحيات عشرات الملايين من البشر، ومقارعة حوالي مائة عقل أوروبي متنوِّر لعقل الكنيسة الاستبدادي، الذين يعود لهم الفضل فيما أوروبا هي عليه الآن.   

 دمشق/ المحرر – 21/8/2005

 

 

 

 

 
 

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 
 

HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE

 
 
Kurdi
Kurmancî
Lêkolîn

Werger

Helbest
Gotar
Çîrok

Hevpeyvîn

Arşîv

têkilî

 عربي

 القوس الثالث

 المقالات

الدراســــات

الشعر

القص

حقوق الأنسان

الكتابة بالعربية

الأرشيف

التحرير

Deutsch

Menschenrecht

Kontakt   

English

Swedish

Hevgirtin

 Rêbaz

 Komîte

 Endam

 Daxuyanî