|
.
الكلمات تبدو ممزوجة بالألوان الحارة التي يستعملها الفنان
التشكيلي رشيد حسو ، ومع انه رسم التخطيطات الداخلية بالأسود
والأبيض ، الا انه لم ينس أن يضع فوقها حرارة الكلمات .
أستلال لكلمات منتقاة من بين ركام من الشعر والنثر تمكنت
الشاعرة خلات أحمد أن تصوغ منها القلائد ، وان تنتقي منها
مايشبه الخرز السليماني الناصع ، شفافاً كزرقة السماء ورقيقاً
كالماء غير أن لغته مثل صوت الحجل والعصافير بعد ان يغسل ريشها
مطر الربيع .
(( على سجادة الصلاة
أينع صوتك على زندي
وطار من قلبي حجل ... ))
الصورة التي ترسمها كلمات خلات تتزامن مع عمق معانيها ودقة
الوصف ، ففي لحظة التجلي وروعة المكان وقداسة اللحظة ، ينبع
صوتاً لم يزل يختبيء في ثنايا القلب وفي تلافيف الروح ، حينها
يفر الحجل الغافي بين سماوات القلب ، يطفق راكضاً بين أحرف
القصيدة ، يرش الرذاذ من جناحية فوق سطح الحروف يبللها ،
يطرطشها فوق كلام القصائد ملونة كلوحات سريالية ، غير ان
القصيدة كلها مختزلة في نسيان الوجه ويدها التي تقبض عليه بكل
أصابعها لئلا يفر مع طيور الحبارى رغم تعبها ، فهي تقبض على
القلب والروح معاً .
(( لازال في عينيُ خجل الشرق
اغالب ارتعاشي بالثرثرات
بيدي حجل ....
تقدم لي اخر زهورك
اتجيد ايها الوعل الغريب
اعترافات الازرق الدافيء ))
وتتمكن الشاعرة خلات احمد من تطويع الكلمات لتعبر بها الى
الجهات الأربع ، فصارخ هو الصمت ، والريح القلقة ، وفراغ
اليباس ، وقليل من الدوار ولم تزل خلات تستمر في نقل اختلاجات
الروح وهمسات النبض الحزين ، خفيفة كما جنح الفراشات ، ورقيقة
كموجة ماء رقراقة ، وحساسة كطير الحبارى بعد سطوع الشمس ،
كلمات لاتتكسر عند نهاية الورقة ، وأبيات لاتشكل كثافة من حروف
وفوارز ،ترسم مفاصلها فوق صخر الكلمة ، تنقش روحها فوق أديم
الروح ، نشعر أن خلات تستلها من أعمق اعماق الروح ، وتعاني
فتقلبها يميناً وشمالاً ، ثم تعرضعها للريح تتحدى بها الغيم
وبعدها تطلقها محلقة في أجواء مشمسة ، كأنها لوحة رسمت بالوان
حارة ، هي نفس الضربات التي تعكسها فرشة الفنان رشيد حسو ،
ولعلها تعكس جزء من أحاسيسها ، ولعلها تمكنت أن تلج أحاسيس
الآخرين ، غير انها في كل النتائج اوشحة للفجر واحاسيس تبرعم
مساءات شتوية دافئة تكللها خيوط الشمس المتسللة من بين صخور
الجبال ، والنافذة بين سنابل القمح ، وفوق كركرات الطيور التي
تغتسل فوق مياه النبع .
(( أتفقنا انت وانا
على أيذائي
انا الهشة في الطين الاول
طارت كل عصافيري
قبل ان تقصمني الذرائع
امراتين
والرعشة التي استعدت لها اوشحتي
فترت
في الضجيج المرافق لعبورك
وكل ما تمنيته
كان غماما عابراً )) .
الخطوات الأولى التي تخطوها خلات احمد واثقة ولها رنين كصوت
الخلخال ، وقدرتها على أستلال الكلمات الجميلة من بين ركام
الكلام والأحرف المستطيلة والعلامات المبللة بمطر الربيع وغيوم
الشتاء الكوردستاني ، مرتوية من مياه الشلالات ، صاحية من
غبشها كأنها تصلي صلاة الفجر في وقتها ، لها قدرة الطيران مع
جوقة العصافير ، غير انها تتحاشى الضجيج فتخلد الى غصن قصي في
اعلى شجرة الجوز ترسم كلماتها فوق أوراقها ملونة كلحاء الشجر
فوق الشفاه اليابسة .
(( الصبح
يمسح اعين بائعات اللبن
يخفق في الريح كتائهن الابيض
يمتص الماء من لبنهن وخطواتهن
خطوط مستقيمة على قياس الطلقة
تشطر الهواء المار باثوابهن ))
هي لم تزل تريد ان تقول الكثير ، غير أنها تحمل حقيبتها وترحل
دائماً ، تمتطي طيورالنوارس حتى تطمئن ان تصل رسائلها من زيورخ
حتى روابي عامودا ، وهي متيقظة كلما اوشكت على الطيران ، بعض
من الأوشحة مايتدثر بالشعر ، ومنها ما يتدثر بالفجر والمطر ،
بعض من الأوشحة ما يتلون بالكلمات أو بالأحرف المدورة ، بعضها
بالمشاعر حين تلتهب وفي يدها كف عاشقها ، غير انها أوشحة لكل
الأزمنة .
(( شبقة الى دمي
تسبلين يديك لمرور الغرباء
يطبعون اختامهم على
نهديك حيث اضع شفتي في
شوقي الازلي لارتخائك لي
هادرة تحت صدري بعمامات
تساقط من المشانق ، لاتنسى
ان تعيدي الي بطاقة غربتي من
تحت وسادتك المغرية ))
كثيرة هي الحكايات التي تخزنها خلات في زوادتها وهي تلملم
ماتلقاه عليها الطيور من أوشحة ، كثيرة هي القصص وشاسع هو
الالم ، فالجراح عميقة ، والطيور لاتستقر على بقعة من الارض
رغم تساقط حبات الحنطة اللامعة كخيط حرير ، لم تزل خلات حتى
اللحظة تحلم بخيمة من شعر الماعز تسترجع تحتها كل ومضات العمر
الذي جاء يركض مع الغيوم ، الخيمة التي تتسلل الشمس اليها من
كل الجهات فتعطرها وتمشطها ومن ثم تحل فيها دفئا وأوشحة ،
أنيقة كما وسادات المساء ، راقصة كالفوارز ولها رائحة عبقة
كروائح التراب .
تلك هي خلات أحمد وهي تطرز بكلمات ديوانها الفستقي (( أوشحة
الفجر – الترياق )) والذي ضم خمسة عشر قصيدة من قصائدها التي
حلمت فيها وتمرغلت وسط خيمة كلماتها ، خلات احمد تدثر شعرها
بأوشحة ملونة ، علينا أن نتعرف على ألوانها .
|