قدر لنا نحن, أبناء هذا العصر أن نعيش الويلات و المصائب كأسلافنا. هذه
هي الصورة و هذا هو المشهد الراهن على خلفية ما حدث في صباح لندن
الدامي و التفجيرات الإرهابية التي هزت عاصمة الضباب و الإمبراطورية
التي لم تغب عنها الشمس .
كنت غاضبا من ذاك الشرطي البلجيكي الذي إستوقفني في أحدى انفاق المترو
طالبا بياناتي و أوراق إقامتي . نعم كنت غاضبا الى درجة أني كنت على
وشك أن أنهال عليه بالشتم و الضرب ردا لكرامتي و كبريائي المزهوقة على
مرأى المسافرين و البؤساء المقيمين في تلك الأنفاق.
و لكنها تبقى , مع كل ذلك , حصيلة و ضريبة ما يقترفه الإرهابيون من
جرائم , و لكن من يدفع الثمن ؟ لقد ناضل أبناء الجاليات الإسلامية
طويلا في سبيل نيل فرص العمل المتساوية و المستوى اللائق من العيش
الكريم في البلدان الأوروبية وو قفت الى جانبهم العديد من المنظمات
الأهلية و المدنية الأوروبية و هيئات مكافحة العنصرية و الدفاع عن
الفرص المتساوية و كانت النتيجة أن إنخرط العديد من أبناء هذه الجاليات
في الدوائر و الوظائف الحكومية و سنحت لأبنائها فرص التعليم في أحسن
المدارس و المعاهد الأوروبية فضلا عن التأهيل لإكتساب الخبرات العلمية
و التقنية و ممارسة الحرف اليدوية الماهرة و سبقت كل ذلك إستقبال هؤلاء
و قبولهم في المجتمعات الأوروبية و تم منحهم المساعدات المادية و
العناية الطبية و الخدمات الإجتماعية اللازمة و الضرورية لأي مقيم جديد
لتكوين مستقبل جديد بعيدا عن العوز و أشكال القهر و الطغيان.
أما و أن يرد الجميل بالكره و الخير بالشر و يؤدي الى قتل الأبرياء من
المواطنين الأوروبيين و إزهاق ارواحهم تحت عناوين تكفيرية فإن ذلك لا
يرضي عدوا و لا صديق و يستوجب منا جميعا أن نقف وقفة رجل واحد في وجه
هذه الفئة الضالة و إلا نفذ صبر الحكومات الأوروبية التي تجد في تربص
هذه الفئة الضالة من المسلمين بأمنها تهديدا لحضارتها و قيمها, الأمر
الذي يستدعي منها تشديد إجراءاتها الأمنية و ووسائلها الوقائية تحسبا
لأية هجمات إرهابية في المستقبل .
و لكن المشكلة لا تنحصر في حق الأوروبيين في حماية مواطنيهم , وهو حق
مشروع بلا شك , و إنما تتمثل في إحتمال أن تنعكس هذه الأعمال الإرهابية
على نظرة الأوروبيين الى الجاليات المهاجرة عموما و المسلمة بشكل خاص و
اعتبار كل مسلم على أنه, في نهاية الأمر, قنبلة متنقلة قد تنفجر في أي
مكان و زمان.
و إذا أخذنا بعين الإعتبار تزايد موجة التدين بين الجاليات المسلمة و
العربية منها بشكل خاص و التي يمكن ملاحظتها من خلال أفواج المصلين
المغادرين للمساجد في أيام الجمعة و هم مشحونون بالتعاليم التي يتم بها
تلقينهم على أيدي خطباء المساجد و التي تدعو في أغلبها الى عدم التسامح
و تسلك الطرق لإلتحاق المزيد من المتطوعين الى الجماعات الجهادية في
أفغانستان و العراق و ربما الى الشوارع الأوروبية, فإن الحكومات
الأوروبية تتحمل من جانبها أيضا جزءا مهما من المسؤولية جراء تهاونها
مع هؤلاء المتعصبين و إيوائهم و تقديم كل أشكال الحماية و الدعم لهم
حتى اصبحوا خطرا على حقوق الفرد الأوروبي في التعبير عن ارائه و مواقفه
كما حدث مع الكاتب و المخرج الهولندي تيو فان كوخ الذي لقي حتفه على يد
متطرف إسلامي مغربي لم يبدي أية مظاهر الأسف على جريمته في قلب عاصمة
الورود.
لهذا كانت على الحكومات الأوروبية واجب إعادة النظر في مجمل سياساتها
المتعلقة بحل مسألة اللاجئين و المغتربين على أراضيها بما يحقق من جهة
مساعدة أبناء الجاليات الوافدة من المناطق الساخنة المعروفة بمشكلاتها
السياسية و الإقتصادية من خلال دعم العناصر المعتدلة المتسامحة, و خاصة
في أوساط الجاليات المسلمة, و سد النوافذ من جهة أخرى في وجه العناصر
المشبوهة ذات الخلفيات العقائدية المتطرفة و السجلات السئية في جرائم
الإرهاب الديني و قتل و ترويع المدنيين و زعزعة الأمن و الإستقرار في
المجتمعات الإسلامية و التي تتخذ من الإسلام غطاءا لإلحاق الضرر بالسلم
الأهلي و الإجتماعي في أوروبا. و لتجنب المثل العربي القائل : " إن
أكرمت الكريم ملكته و إن أكرمت اللئيم تمردا" , فإن الحكوما ت
الأوروبية مجبرة لإعتبارات عديدة, منها على الأقل, حفظ أرواح المواطنين
الأوروبيين و حماية الجاليات المهاجرة من أفكارهم الهدامة و التخريبية,
أن تسعى الى عزل هؤلاء المتطرفين و الإرهابيين عن أوساط الجالية
المسلمة في أوروبا من خلال طردهم من الأراضي الأوروبية و تسفيرهم الى
بلدانهم عملا بالمثل القائل : قطع الأرواق و لا قطع الأعناق".