ابن بردى
صرح المستشار القانوني للحكومة
الإسرائيلية قبل نحو أسبوعين بأن إصداره لائحة اتهام
بحق نجل رئيس الوزراء آرييل شارون فيما يتصل بفضيحة تمويل انتخابية
" يقصد به أن يكون
عبرة للآخرين قبل حلول موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في
العام المقبل " . وكان
مناحيم مازوز ، وهذا هو اسم المستشار ، قد اتهم أومري شارون
بالاحتيال وخيانة الثقة
والحنث باليمين عبر استخدام شركات وهمية من أجل تحويل تبرعات
أجنبية لتمويل الحملة
الانتخابية التي نظمها والده في العام 1999 بهدف الوصول إلى قيادة
حزب الليكود . وفور
تلقيه لائحة الاتهام ، أقدم أومري شارون على التخلي عن حصانته
البرلمانية طوعا كي
تتسنى ملاحقته قضائيا رغم معرفته المسبقة بأنه قد يواجه حكما
بالسجن لمدة سبع سنوات
في حال إدانته بالتهم الموجهة له !
ليست هذه الحالة الأولى التي يلاحق فيا القضاء الإسرائيلي مسؤولا
كبيرا في أعلى هرم
السلطة ، أو أحد أقربائه المباشرين ، بتهمة الفساد . ففي أواسط
السبعينيات الماضية
اضطر إسحاق رابين إلى الاستقالة من منصبه بعد أن أشارت الصحف
الإسرائيلية إلى أن
زوجته ليئا رابين احتفظت بحساب بنكي خاص بها في أحد البنوك
الأميركية بعد انتهاء مهمة
زوجها كسفير في واشنطن وعودته إلى بلاده . وهذا ما نصّت على تحريمه
قوانين مراقبة
العملات الصعبة التي كانت سارية المفعول آنذاك في إسرائيل .
تقدّم قضية أومري شارون نموذجا حيّا وفريدا وكافيا بذاته لمعرفة "
السر " الذي يعطي
دولة إسرائيل كل هذه القوة ، وكل هذه الحيوية في مواجهة الأخطار
التي تحدق بها داخليا
وخارجيا . وتصلح هذه القضية ، التافهة في شكلها والعظيمة في
مضمونها ، لأن تكون
مقياسا معياريا لقياس عظمة الدول والأنظمة أو .. انحطاطها .
يعرف أومري شارون أن الشعب الإسرائيلي ينظر إلى والده رئيس الوزراء
بوصفه واحدا من
الأبطال الذين قامت الدولة على أكتافهم ، وبوصفه أحد الرموز
الكبيرة لانتصاراتها
الأكبر ، ورئيسا لحكومة هي صاحبة الكلمة العليا في منطقة الشرق
الأوسط كله . ومع ذلك
لم يخطر بباله لحظة واحدة أن يتنمّر على الدولة وقوانينها أو يتذمر
من قرارات قضاتها
ورجالات القانون فيها . ولهذا سارع إلى المبادرة من تلقاء نفسه إلى
التخلي عن حصانته
النيابية ليمكن القضاء من التحقيق معه ومساءلته ومقاضاته ، بل
وسجنه إذا دعت الضرورة
. كل ذلك رغم معرفته المسبقة أن حزبه الليكودي يمكنه ، لو أراد ،
تأمين الأصوات
اللازمة في الكنيست للإبقاء على حصانته . ولكن لا أومري شارون أراد
ذلك ، ولا حزبه
الليكودي فكّر بالأمر أصلا . لأن الجميع يدرك أن هذه الدولة قامت
على التقاليد
الديمقراطية وفصل السلطات و التسليم بأن يد السلطة القضائية هي
العليا .. وليس يد
المخابرات أو " سرايا الدفاع " !
ما أقدم عليه أومري شارون ليس وليد نزوة شخصية ، بل مجرد تحصيل
حاصل لمجموعة أسس قامت
عليها الدولة ورسخها قادتها التاريخيون من أمثال اسحاق رابين .
فهذا الشخص الذي هزم
جيوش ثلاث دول عربية خلال ست ساعات في العام 1967 ، واستولى منها
على أراض تعادل أضعاف
مساحة الدولة التي كان يقود جيشها ، لم يخطر بباله أن منزلته بين
أبناء شعبه يمكن أن
تعطي زوجته حصانة تسمح لها بانتهاك القانون ، ولم يخطر بباله أن من
حقه أو حق زوجته
تجاوز القوانين والتصرف كأباطرة روما ، أو أن على هذا الشعب أن
يدفع له الجزية لمجرد
أنه صانع انتصاراته وأمجاده . ولهذا سارع إلى تقديم استقالته من
منصبه لمجرد أن زوجته
أبقت حسابا بنكيا تافها باسمها في الولايات المتحدة لا تسمح به
قوانين العملات الصعبة
التي كانت نافذة حينئذ في إسرائيل . علما بأن المبلغ الذي كان
موجودا في الحساب لم
يتجاوز ستة آلاف دولار ، وبأن المبلغ لم يكن متأتيا عن نشاطات غير
مشروعة ، وبأن اسحاق
رابين لم يكن ملزما بالاستقالة لا أخلاقيا ولا قانونيا ولا سياسيا
، لأن الأمر لم
يتعلق به شخصيا وإنما بزوجته ! ومع هذا استقال من منصبه ، لأنه كان
يعرف في قرارة نفسه
أن
الدول العظيمة لا تبنى بالاحتيال والبلف والبلطجة أو بـ " الأونطة
" !
يحدث هذا كله في الوقت الذي لا تلبث فيه سورية أن تنام على فضيحة
حتى تستيقظ على
فضيحة أخرى . والقاسم المشترك فيما بين هذه الفضائح كلها هو أن
أبطالها جميعا من
رجالات السلطة الكبار ، وبشكل خاص من آل الأسد وأبنائهم . فمن
فضيحة عائدات النفط
الوطني التي وضعوها في حسابتهم الخاصة على مدى ربع قرن ، إلى فضيحة
شركة سيرياتل
للهاتف الخليوي ، إلى الخمسة مليارات دولارات التي خلّفها جميل
الأسد وراءه ، إلى
إفلاس شركات خاصة سرعان ما تبين أنها كانت مجرد واجهة لغسيل
الأموال العامة المنهوبة
.. إلى .. إلى .. ، والحبل على الجرار. ومع ذلك لم يجر تحقيق قضائي
واحد في أي من هذه
الفضائح . بل إن من تجرأ وتحدث عن هذه الفضائح ، ولو تحت قبة ما
يسمى بـ " مجلس الشعب
" ، مثلما فعل النائب رياض سيف ، سرعان ما وجد تهم الخيانة
والعمالة والزنازين
الإنفرادية بانتظاره .
يوم أمس ، وحين كنت مع بعض الأصدقاء والأصحاب في مقهى الروضة بدمشق
نناقش قضية أومري
شارون واستقلالية القضاء في إسرائيل ، قص علينا أحد الزملاء حكاية
ناشط سياسي سوري
يدعى محمد علي درباس من قرية بيت ياشوط في منطقة جبلة الساحلية .
وخلاصة هذه الحكاية
أن الشخص المذكور ألقى في أواسط عقد السبعينيات الماضية محاضرة في
أحد أروقة جامعة
دمشق عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي ، وختمها بالقول " إن انتصار
العرب على إسرائيل
يعني انتصار الجهل على العلم " . فكان أن دفع أكثر من عشرة أعوام
من عمره في أقبية
المخابرات الجوية بتهمة " نشر الإشاعات الكاذبة وزعزعة ثقة
الجماهير بالثورة والنظام
الاشتراكي والعمل على بث الوهن في عزيمة الأمة " !!
ترى كم سنة كان سيغيب محمد درباس ، وعلى عمق كم من الأمتار تحت
الأرض ، وبأي تهمة ،
لو أنه كان بيننا وأجرى مقارنة بين أومري شارون ورامي مخلوف !؟
دمشق 11 .8 .2005