محسن جوامير ـ کاتب کوردستاني
بتأريخ 10/8/2005 کتب الکاتب المصري الاستاذ فهمي الهويدي مقالة في
جريدة الشرق الأوسط بعنوان " مؤشر خطير في تلويح غلاة الأکراد
بالإنفصال "... يشير فيها ـ حسب قوله ـ إلی خطورة التحديات
والخطوط الحمراء التي وضعها السيد مسعود البرزاني في 6/8 في
البرلمان الکوردستاني امام القوی العراقية التي سوف يتفاوض معها
بشأن المطالب الکوردية، والتي قد تهدد وحدة العراق بالتفتت وتحقق
للکورد الإنفصال وبالتالي سوف يتحول إستقرار المنطقة الی حفرة من
نارالصراعات بين القوی الإقليمية والدولية.. وذلک بعد أن کانت
المنطقة ( جنات عدن تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون)
وتحققت العدالة بين شعوبها علی الطريقة السويدية " بالمليـم" وحرية
الشعوب فيها نعيم مقيم..!
قبل کل شئ أهنئ الإخوة الشيعة بان لصقة " غلاة " التي کانت وما
زالت لاصقة بهم، لم تعد تخصهم فقط بعد اليوم، فقد أخذ الکورد علی
لسان الهويدي نصيبا منها أيضا، ومن الآن فصاعدا تکون هناک طائفتان{
أخشی أن تکونا من النار أيضا !} من الغلاة هما " غلاة الشيعة " و "
غلاة الأکراد "..!
ومن ثم يبدو أن الاستاذ الهويدي يتناسی مسيرة الاتفاقات التي تمخض
عنها قانون
إدارة الدولة العراقية للمرحلة الإنتقالية، والذي وقعت عليه
الأطراف العراقية والکوردستانية، ناهيکم عن الإتفاقات السابقة التي
تمت في مرحلة المعارضة سواء في کوردستان أو خارجها.
إن ما يطالب به الوفد الکوردي برئاسة البارزاني هو الوفاء لما جاء
في القانون ليس إلا، وليس هناک مطلب إضافي أو تعجيزي، واضح وضوح
الشمس في رابعة النهار... تنفيذ المادة 58 مثلا والتي تخص مشکلة
التطهير العرقي التي تعرض لها الکورد في کرکوک وأخواتها، خطوات
حلها مثبتة في المادة المذکورة وليست مخترعة ولم يبتدعها الکورد،
وتنفيدها وارد أيضا من ضمن النقاط التي وردت في الاتفاق
الکوردستاني ـ الشيعي لضمان تشکيل حکومة الجعفري ، بالرغم من
تلکؤها وعدم جديتها في التطبيق لحد الآن... ثم إذا أصر الکورد علی
ضم کرکوک لبترولها إضافة لکونها کوردستانية ، فهل هذا المطلب يعد
خرقا للقوانين والأعراف وهذه الثروة تنبع من أرضهم، ويستثمروها
لإعمار بلدهم بالإتفاق مع الحکومة الفيدرالية.
إن ما عند السيد مسعود البارزاني ووفده من شروط لشکل العلاقة
الکوردستانية ـ العراقية، هي ليست من باب الإستقواء ولا من باب
الغرور، فکل الأطراف أقوياء، إنما هي لضمان بناء أسس علاقات جديدة
قائمة علی أطر قانونية دستوریة، وليست علی جرف هار أو کلمات فضفاضة
عاطفية تعود عليها شرقنا العاطفي... وإلا من يضمن عدم تکرار ما حدث
للکورد من أنفالات ودمارات وإنهيارات..!
لم أکن أتوقع من کاتب عاصر الأحداث وشاهد مأساة الکوردستانيين
تباعا، واطلع علی أنظمة حکم الدول المعاصرة في تحقيق الازدهار من
خلال تنظيم العلاقات بين أطيافها وشعوبها المختلفة، أن يبدي
إرتياحه من وحدة الموقف الشيعي السني ضد الکورد للاجهاز علی
حقوقهم التي إتفق عليها الجميع ووقعوا عليها، وهم مسؤولون أمامها
قانونا وشرعا... وذلک بدلا من أن يحث الأطراف للالتزام بما تعاهدوا
عليه لبناء دولة فيدرالية يتعلم فيها الکوردي العربية طوعا ويتعلم
فيها العربي الکوردية حبا، وذلک قبل الإنجليزية.
إذا قال الحق تبارک وتعالی ( لا إکراه في الدين ) فأي قوة في الأرض
تستطيع أن تکره شعبا أن يعيش بالإکراه والإلحاق بالآخرين من دون
إختياره، إلی أبد الآبدين، ومن دون أن يکون " للمکبوت من فيضان "
في يوم ما... وکذلک إذا وجد شعب أن حقوقه معلومة ومحمية وحدود أرضه
مصونة وعيشه مع شعب آخر ضمن أطر متفق عليها دستوريا، يعود بالخير
لکلاهما ـ کما هو الحال في کندا ـ فلم يرفض هذا الشعب العيش
المشترک الذي تسوده العدالة في الحقوق..!
ولعل في مشکلة جنوب السودان وحلها ووضع مسيرة الحل في المحک خلال
ثمان سنوات، خير درس يمکن أن نستفيد منه... وطريقة إنهاء الأزمة
إجراء أعتقد أنها بنيت علی العقلانية والواقعية التي تميزت بها
الحکومة السودانية للخروج من مأزق الحلول العاطفية، تحت شعارات
الوحدة الوطنية التي أزهقت في نفقها المظلم أرواح مليونين إنسان
خلال 20 عاما.
أخيرا وليس آخرا، إن من أعجب العجب أن الاستاذ الهويدي وحسب علمي
واطلاعي علی مقالاته، لم أجده يتعرض للإتفاق السوداني الجنوبي
بالانتقاد والتجريح، علی العکس من الکورد الذي يکاد يکفرهم في کل
مرة ويستکثر عليهم أقل الحقوق مع العلم ان أکثرهم مسلمون... أليس
في هذا اللبن شعرة ؟ کما يقول المثل الکوردي...