علَّمنا التاريخ بأن عملية أدلجة العنف وشرعنته وفق معايير أو جملة من
المبادئ التي قد تكون متباينة في الشكل، لكنها متفقة في المضمون، أنها
كانت ومازالت مستمرة بشكل متدهور وفظيع، يُنبئ ويُنذِر بمخاطر كونية
وخيمة لا يُحمد عقباها. فدور العنف في التاريخ، ودور العقل في وضع
وصياغة ذرائعه ومبرراته ومسوغاته وشرائعه وفنونه، بشكل يتماهى ومصالح
القوى المتناحرة التي أخرجت العنف من طوره الفردي "الدفاعي أو الهجومي"
إلى طوره الجمعي، ما أدى إلى ولادة فكرة الحرب التي طوَّرت أفكارها
ومفاهيمها وأدواتها بالتقادم والتراكم. فالحرب كإحدى كبرى تجليات العنف
كارثيةً ووبالاً على البشرية، منشأها البدائي الأول، هو استعصاء العقل
الآدمي الأول في معالجة الإشكال الحاصل بين ابني آدم.
فنزعة التسلَّط وحب التملُّك والسيطرة، جعلت أحد ولدي آدم يفكَّر بأن
بقاءه منوط بزوال الآخر من الوجود. وفي ضوء ذلك، فسيرة العنف بدأت من
حادثة هابيل وقابيل، وشرعت تأخذ أشكال وأطوار عدة، وعلى كافة المستويات.
وسخَّرت المال والعِلم والبشر لأجل الوصول لمآربها. وقد أخذت هذه
السيرة شكل حروب أهلية، قبائلية" الصراع بين تموذ وعاد، والتوتسي
والهوتو"، قومية" الصراع الكردي – العربي في العراق، والكردي – التركي
في تركيا"، دينية "الصراع المسيحي – الإسلامي في لبنان"، مذهبية "الصراع
الشيعي السني في العراق". أو إقليمية، قومية" الصراع العثماني تركي –
الصفوي فارسي، والصراع الإنكليزي – الفرنسي" ، دينية ومذهبية " الصراع
الكاثوليكي – البروتستنتي". أو عالمية، دينية "الحروب الصليبية"،
إيديولوجية "الصراع الشيوعي السوفيتي – الرأسمالي الأمريكي. وكادت هاذي
الحروب تودي بالعالم للهاوية. لأن الحرب في أفضل أحوالها، هي تعبير عن
الدمار والقتل والموت والتشرُّد والكوارث والأوبئة والمجاعة والقهر
والظلم...الخ مهما كانت الأهداف والأيديولوجية الواقفة وراءها "نبيلة
وسامية" سماوية كانت أم وضعية. كما أن الحرب في أفضل أحوالها هي تعبير
عن الجهل والصمم والعقم العقلي والروحي، مهما كانت العقول الواقفة وراء
إنتاج أدواتها ومخططاتها، متطورة ومتقدمة علمياً.
أعتقد أن معظم المفاهيم الإيديولوجية اليسارية والقومية المحرضة
والمشرعنة لممارسة العنف تحت مسميات عدة كـ"الكفاح المسلح والعنف
الثوري وحرب التحرير الوطني...الخ" قد فقدت مفاعيلها بالتقادم من جهة،
وبتأثير تنامي وانتشار مفاهيم النضال السلمي اللا عنفي في المجتمعات
التي تعاني من مشاكل قومية أو إثنية أو دينية لا زالت عالقة، من جهة
أخرى. وبتأثير الانفتاح العولمي للمنظومات الاجتماعية والاقتصادية
والثقافية والإعلامية على بعضها، الذي أوجدته ثورة التقانة
والمعلوماتية، من جهة ثالثة. ما أدى إلى سقوط أو إفلاس المنطق التقليدي
الانقلابي الدموي التعسفي والانتقامي للثورات الذي بالضرورة جعلها
حمراء، لتحل محلها مفاهيم النضال السلمي المدني من مظاهرات واعتصامات
وعصيانات مدنية التي أضافت أبعاد وأشكال جديدة لمفهوم الثورة، وأضفت
عليها ألوان جديدة كـ" البرتقالي والوردي...الخ، بعد أن كان الأحمر
مستبِّداً بها. وتالياً، فالفقراء لم يعودوا بحاجة إلى "دكتاتورية
البروليتاريا" للوصول إلى السلطة، وتحسين ظروف عملهم ومستوى معيشتهم.
و"السلطة السياسية لم تعد تنبع من فوهة البندقية" بل من صناديق
الاقتراع. لكن، ما زالت بعض المقولات اليسارية المشخِّصة لمفهوم الحرب
محافظة على ديمومتها، كونها بالمحصلة، أتت نتيجة الفكر الإنساني،
كالمقولة الماويَّة :"الحرب هي سياسة دامية، والسياسة هي حرب غير دامية".
وبالنتيجة، لم تعد البنادق هي ضالة المضطهد طبقياً أو قومياً أو دينياً
أو مذهبياً لرفع الغبن والجور عن نفسه والحيلولة دون بقائه رازحاً تحت
طغيان الظلم والقمع والاستبداد، وصولاً لنيله لحقوقه.
لكن، من الروعة والأهمية بمكان أن نشير بأنه، مهما تعاظم وكبُرَ جبروت
وقوة الطغاة الجبابرة الظالمين، إلا أنهم يخشون أكثر أعدائهم العُزَّل
من السلاح وأدوات الموت، القادرين على تحريك العواطف والأفكار، أولئك
الذين يوقظون طاقات المجتمع من كمونها بإبداعاتهم.
فصحيح أن قصائد لوركا وألبيرتي لم تودي بنظام فرانكو بشكل أتوماتيكي،
إلا أنها وريشة وألوان بيكاسو التي أبدعت مأساة مدينة "غورنيكا" كانت
تخيف نظام فرانكو. كما أن ريشة ناجي العلي وقلما الكنفاني وأبو شرار
كانت الأشباح التي تلاحق تجَّار الموت في إسرائيل. وما أعتقده، بأن "العقل"
الذي قتل الحلاَّج، هو نفسه الذي أحرق كتب ابن رشد، واغتال كنافني
والعلي وموسى عنتر والشيخ معشوق الخزنوي. ولاحق الفنان الراحل محمد
شيخو، ونفى يلماز عونيه وأحمد قايا وبشَّار العيسى....!!
بديهي أن لكل فعل ردة فعل يساويه في الشدَّة_وقد يفوقه_ ويعاكسه في
الاتجاه. بمعنى، إن العنف كفيل بخلق نظيره وخصمه المضاد له. فبين مطرقة
العنف وسندان العنف المضاد، يتم تدمير المجتمعات، ويتدهور الوعي،
وتتعرض قيم الخير والحب والجمال إلى عملية تخريب وانهيار فظيعة. لأن
أدوات العنف والعنف المضاد تقومان بتجيير الأقلام كأبواق للتغني
بمشروعية كل طرف، وسمو ونبل ما يفرزانه من قيم ومثل وأخلاق "وطنية،
قومية، إنسانية" عالية، لا تضاهى.
وقد يسأل سائل: وهل يستوي عنف الظالم، وعنف المظلوم!؟. على سبيل المثال
لا الحصر، هل الحرب التي يشنها النظام التركي على على الكرد، أو النظام
العراقي البائد على الكرد، وردَّة فعل الكرد على النظامين بحربين_ لا
تقلان ضراوة_ سيَّان!؟. والجواب ببساطة: لا طبعاً. لأن الثانية هي
نتيجة للأولى، فشتَّان ما بين السبب والنتيجة. لكن، في كلتا الحالتين،
المعطى واحد. بمعنى، ما ينجم عن العنف والعنف المضاد هو مزيد من الخراب
والدمار والقتل والتشرُّد والتهجير والكوارث الإنسانية البشرية
والطبيعية.
صحيح أن التاريخ والحضارة مؤسسان على قائمة طويلة من الحروب الأهلية
بين القبائل والإمارات والممالك، والعالمية بين الإمبراطوريات. لكن،
استمرار مزاولة العنف في حل مشاكل البشر، سينهي التاريخ، ويدمِّر
الحضارة الإنسانية. بمعنى، أن ما كان سبباً في نشأة التاريخ والحضارة
سابقاً، سيكون سبباً في زوالهما، إن استمَّرت داومة العنف تعصف بالعالم،
طاحنة مقدراته وطاقاته وشعوبه. وكما هو معروف بأن الإسكندر الكبير كان
قد تتلمذ على يد أرسطو لمدة اجتازت العقد، ناهيكم على اصطحابه لمؤلفات
معلمه في "فتوحه" نحو الشرق. كما أن عملية نشر الأديان السماوية
الإسلامية والمسيحية تحت شعار "التبشير، الفتح والجهاد في سبيل الله"
قد كلَّفت البشرية مئات الملايين من الضحايا بين قتيل وجريح وأسير...الخ.
ولقد كان النبي محمد "ص" على رأس جيوشه في كل من غزوات "بدر، أُحد،
الخندق". كما أفتى رأس الكنيسة الكاثوليكية "أوربان الثاني" سنة 1096 م
بالبدء بالحروب الصليبية على المسلمين. وتأسيساً على ما سبق، لا يمكن
لأية فكرة أو نظرية تدَّعي بأنها الحقيقة أو أنها تمتلكها أو تحتكرها،
وهي لاتزال تزاول العنف بشكل ممنهج كإحدى وسائل الإقناع. لأن العنف
إكراه، والإكراه ضعف، والضعف أحد تجليات غياب العقل، وفي غياب العقل،
يكون الجهل والجنون هما سيِّدا الموقف والقرار.
أعتقد أنه في أشد حقبات الظلم والجور الطبقي والقومي والديني وطأة على
المرء من قبل ظالم قاهر، قد يكون العنف مجدياً وناجعاً في عملية إثبات
المظلوم لوجوده وحضوره الطبقي والقومي والديني في وجه ظالميه. لكن، بعد
تحقق هذه الغاية، يكون متابعة المظلوم لممارسة العنف_مع استنفاذ
مبرراته ومسوغاته المعقولة_ نوع من العبث والانتحار غير المدرك لخطورة
مزاولة مسلك ظالميه، بات ينتمي للماضي.
في خضم الصراع الكردي – التركي الدائرة رحاه في تركيا، طرأت بعض
التطورات المبشِّرة بقرب نهاية طبيعية_ تضمن مصلحة الشعبين_ له. هذا
الصراع الذي لا يمكننا أن نحصره في الحقبة الزمنية الممتدة بين انطلاقة
حركة حزب العمال الكردستاني pkk في 27/11/1978 وحتى اللحظة وحسب، بل
تمتد جذورها حتى قبل نشأة الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال – "أتاتورك"
سنة 1923. فالتمردات والعصيانات والانتفاضات الكردية المسلحة لم تتوقف.
إلا أن النضال الكردي أخذ طابعاً سرِّياً محدوداً في فترة الأربعينات
والخمسينات والستينات من القرن المنصرم. ومع شرارة ثورة أيلول في
كردستان العراق التي قادها الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني، بدأت
روح التمرُّد تدبُّ في جسد الحالة الكردية في تركيا من جديد، بعد فترة
كمون طويلة نسبياً. وما تلا ذلك، فمعروف للقاصي والداني. وبعد 15 عام
من عمر حركة pkk التي كان ولا يزال يقودها الزعيم الكردي عبد الله
أوجلان_ حتى من معتقله_ بدأت هذه الحركة استعدادها للركون للحل السلمي
والاحتكام لطاولة المفاوضات بدلاً للبنادق، بغية إيجاد حل عادل للقضية
الكردية في تركيا سنة 1993. بيد أن هذه المحاولات المستمرة حتى الآن من
قبل الحركة الكردية لازلت تواجه بالتعنت والإصرار في المضي في سياسات
الإنكار والقمع والاستبداد والغطرسة.
الإصرار الكردي على إيجاد الحلول السلمية، كان مهمَّشاً من قبل الرأي
العام التركي والعالمي والأسرة الدولية. بينما كان الإصرار التركي على
مواصلة الحرب الشاملة على الكرد يغذَّى إقليمياً ودولياً خاصة من قبل
الناتو والأمريكان، سيما في الأعوام العشرين الأولى من الصراع. وقد
تكلل هذا الدعم المادي والمعنوي والاستخبارات اللا محدود بأن قامت
الـ"cia" والـ"موساد" وبمعيَّة الأوروبيين وبعض الأطراف الإقليمية
بتسليم الزعيم الكردي السيد أوجلان لتركيا. لكن، ما تلا ذلك، يوحي بأن
الخط البياني للدعم الأوروأمريكي لتركيا بدأ ينخفض ويتراجع رويداً.
وثمة مؤشرات تؤكد ذلك، ربما أهمها، عدم رضوخ أمريكا للمطالب التركية
الرامية لدخول الأولى في صراع عسكري مباشر مع قوات الثوار الأكراد من
حركة أوجلان المتمركزين في شمال العراق، ولا حتى السماح لتركيا بتجاوز
الحدود العراقية لقتالهم كالسابق. كما أن الاتحاد الأوروبي بات يتعاطى
مع الشأن الكردي في تركيا بشكل إيجابي يقضُّ مضجع النظام التركي، ويثير
مخاوفها. وما قرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية في ستراسبورغ بفرنسا،
الداعي لإعادة محاكمة السيد أوجلان، إلا إحدى مؤشرات هذا التعاطي
الضاغط على تركيا لتخطو خطوة نحو الاعتراف بالقضية الكردية، وحثها على
حلها بشكل نهائي وعاجل. ولعل أهم مؤشر يمكن التعويل عليه كبداية
إيجابية هامة على طريق تحرك المجتمع التركي لوضع حد للحرب الدائرة في
تركيا منذ 15/8/1984 وحتى الآن، هي المبادرة التي أطلقها حوالي 140
مثقف تركي وكردي بإطلاق دعوة مشتركة لطرفي الصراع_النظام التركي وحركة
أوجلان_ لوقف العنف، والارتكان للحل السلمي ينهي هذه الدوامة التي
تستنزف تركيا، فضلاً عن تشويه حضورها في المحافل الدولية، خاصة
الأوروبية منها، لأن استمرار هذه الدوامة، من شأنها القضاء على
المستقبل الأوروبي لتركيا نهائياً. حيث طالبت المبادرة "قوات حماية
الشعب – HPG " الجناح العسكري لـ"pkk" بتعليق قرارها في استئناف
عملياتها المسلحة ضد الدولة التركية، بعد أن فشلت مساعي حركة أوجلان
السلمية المتمثلة في الإعلان عن وقف إطلاق النار من جانب واحد أكثر من
مرة بين 1993 و 2004 ، ورداً منها على الحملات العسكرية التركية
الرامية إلى تصفية الحركة الكردية السياسية والعسكرية. وفي الوقت نفسه،
دعت المبادرة السالفة الذكر، الحكومة التركية إلى إيجاد حل شامل للقضية
الكردية عن طريق الحوار والسبل السلمية. وورد في نص بيان المبادرة التي
أَعلنَ عنها أكاديميون ومثقفون وكتَّاب وروائيون ترك وكرد، في مؤتمر
صحافي عقدوه في فندق "تاكسيم هين" بمدينة إسطنبول قبل أيام..: "إننا
ولكي ننهي هذا المشهد المحزن، علينا وقف العنف والارتكان للحوار
والتفاوض لحل المشاكل العالقة، وصولاً إلى سلام دائم، ينهي إراقة
الدماء في كلا الجانبين". وواصل الموقعون بيانهم..: "إن الحل لن يكون
بهجوم الجيش التركي على معاقل المقاتلين الكرد في جبال "قنديل" أو
البدء بضربات وتمشيطات عسكرية جديدة. إنما يجب البحث عن آلية حل مناسبة
لهذه القضية. ولا بأس بأن نأخذ تجارب البلدان التي مرَّت بأوضاع كالتي
تمرُّ بها تركيا حالياً، للاستفادة من خبراتها في حل هكذا مشاكل".
وجدير ذكره، إنَّ اللائحة ضمت أسماء مشهورة في عالم الثقافة والأدب في
تركيا من بينها: الكاتب والروائي أورهان باموك، وتوكتامش أتش، محمد
باكار أوغلو، عدالت أغا أوغلو، موجده أأر، فكري ساغلار، أكين بيردال،
زينب أورال، وغيرهم.
وفي مطلق الأحوال، لا يمكن اعتبار هذه المباردة إلا كخطوة جريئة وفي
الاتجاه الصحيح، استقبلها الجانب الكردي من ساسة وقادة ميدانيين في
قيادة حزب العمال الكردستاني بالترحاب. وأبدوا حماساً واضحاً لها،
داعين إلى تطويرها وتفعيلها ودراستها دراسة جادة ومسؤولة. وقد انضمَّ
حوالي 263 مثقفاً كردياً آخرين _بينهم وزراء وبرلمانيون وفنانون
معروفون_ لهذه المبادرة، مناشدين طرفي الصراع، الكردي والتركي بالإعلان
عن وقف إطلاق النار، والبدء في التفاوض والحوار لحل القضية الكردية.
ومن هذه الأسماء الموقعة : الوزير السابق عدنان أكم، الناشر عبد الله
كسكين، النائب السابق طارق زيا إيكينجي، الفنان كمال قهرمان، الصحافي
فريد هايفا، وكمال بيرلك وغيرهم...
في هذه الأثناءّ، سارع المثقفون العرب في "التجمع العربي لنصرة القضية
الكردية" إلى الانضمام لزملائهم الكرد والترك في مطالبة الجيش التركي
إنهاء حالة الحرب في كردستان، والعمل على حل القضية الكردية حلاً
ديمقراطياً عادلاً. وجاءّ في بيان أصدره التجمع العربي المؤيد للقضية
الكردية، وصاغه الأكاديمي الفلسطيني د – أحمد أبو مطر "إننا في التجمع
العربي لدعم القضية الكردية، نعلن عن دعمنا لمبادرة إنهاء العنف
الصادرة عن لقاء المثقفين الأكراد والترك، لأنه يكفي كل هذه العقود من
التجاهل لحقوق الشعب الكردي وارتكاب الجرائم والتعديات بحقه. ونثمِّن
كافة المواقف الكردية التي دعمت هذه المبادرة وأعلنت عن دعمها لها من
أجل الوصول إلى حل عادل للقضية الكردية، يحفظ دماء الشعبين الكردي
والتركي. وفي نفس السياق، ننوه بموافقة مؤتمر الشعب الكردستاني على دعم
المبادرة ووقف إطلاق النار في حالة التزام الجانب التركي بذلك". وأدان
التجمع الذي يضم حوالي 400 شخصية عربية ثقافية وسياسية وفكرية صديقة
للشعب الكردي، موقف الحكومة والمؤسسة العسكرية التركية غير المسؤول،
ذاكراً: "جاءت المواقف الحكومية التركية المتشددة الرافضة لهذه
المبادرة، دلالة على تمادي السلطات العسكرية التركية في كافة أعمالها
لإرهاب الشعب الكردي ومواصلة التنكر لحقوقه القومية المشروعة. إننا في
التجمع العربي لدعم القضية الكردية، نعتبر هذا تعبيراً عن العقلية
العسكرية التركية التي هي تخطط للسياسة التركية المتنكرة طوال العقود
الماضية لحقوق الشعب الكردي، والتي تسمي نضال مؤتمر الشعب الكردي
إرهاباً، في حين أن ما تمارسه بحق الشعب الكردي هو الإرهاب بعينه".
وتأتي أهمية وتاريخية مبادرة الكرد والترك لجملة من الأسباب الهامة،
لعل أبرزعا:
أولاً - كونها الأولى من شكلها ونوعها وحجمها، على الرغم من مُضي أكثر
من 15 عام من الحرب الضروس التي تشهدها تركيا. على اعتبار أن المجتمع
التركي والغالبية الساحقة من نخبه الثقافية، على اختلاف مشاربهم
وانتماءاتهم الفكرية الإسلامية والعلمانية القومية واليسارية كانت
مؤدلجة ومعبَّأة أتاتوركياً بشكل منقطع النظير، إلى درجة شوفنة المجتمع
التركي ضد الحالة الكردية بشكل خطير جداً.
ثانياً _ كون هذه المبادرة جاءت مشتركة بين الكرد والترك في هذه
المرحلة الحساسة والخطيرة من تاريخ تركيا الواقفة على مفترق طرق، بغية
حث تركيا على اختيار الطريق الوحيد المؤدي بها إلى النادي الأوروبي،و
المار بحل القضية الكردية.
ثالثاً _ ما لاقته من أصداء ترحيبية وإيجابية من الأوساط السياسية
والثقافية والشعبية الكردية في تركيا، وما خلقته هذه المبادرة من تفاعل
تجاوز الحالتين الكردية والتركية لتصل إلى الحالة العربية، عبر تضامن
شريحة جد هامة من نخبه الثقافية معها. وهذا مؤشِّر هام دال على ضرورة
التواصل والتفاهم الثقافي الحضاري بين الشعوب، لحل قضاياها العالقة من
أنظمتها، من خلال تجاوز كافة العراقيل والحواجز الوهمية، وإزالة كافة
المفاهيم المشوَّهة المغرضة التي زرعتها هذه النظم الاستبدادية المريضة
بين هاذي الشعوب.
رابعاً _ احتواء هذه المبادرة على إمكانية تطورها وتصاعدها واتساعها
لتشمل قطاعات مجتمعية كردية وتركية. بمعنى، أنها مرشَّحة لأن تلعب دور
أكثر دينامية وحيوية حافز لعملية التغيير والإصلاح الحقيقي الذي لا
مناص منه أمام الدولة التركية، إن أرادت أن تدخل لعبة صناعة التاريخ من
جديد، وان لا تكون رقماً هامشياً دون فاعلية في عصر الأرقام السياسية
والاقتصادية، ومعادلاتهما ومتراجحاتهما الحضارية المتقلِّبة.
وتأسيساً على ما تقدم، أعتقد أنه من الأهمية والضرورة الثقافية
والأخلاقية الحضاريتين، أن تستمرَّ الأقلام الكردية والتركية والعربية
برفع أصواتها، حتى تعلو على أصوات البنادق، وتجبرها على الصمت نهائيها،
والإنصات والاحتكام لصوت العقل، والإقتداء بأصوات الأقلام المؤدية إلى
ترسيخ قيم الخير والحب والجمال النابذة للعنف بين الشعوب.
كما أعتقد بأنه قد حان الوقت كي ينتهي الخلل الكامن في معادلة الثقافة
والسياسة في الشرق. بمعنى، أن تصبح قيادة المجتمع للثقافة. كون الثقافة
هي الكل الإنساني الجامع، والسياسة هي الجزء البراغماتي
المُحدِّد.وبالتالي، أن تنقاد السياسة للثقافة، لا العكس. بقطع النظر
عن، إن كانت هذه السياسة حاكمة أم معارضة. فعلى حد تعبير "راسل" :" إن
الفضل في علمية التنوير والنهضة الأوروبية يعود لمائة عقل". فما أحوجنا
لهكذا عقول، كالتي أقصت الكنيسة عن الحياة السياسية والثقافية
والاقتصادية في مجتمعاتها، وواجهت محاكم تفتيشها. كي توصل الغرب إلى ما
هو عليه. وطوَّرت ورسَّخت مفهموم الديمقراطية في الحياة السياسة
والثقافية، وخلقت مفهوم "الرأي العام" الرقيب على السلطة والمعارضة
والمجتمع، والداعم والمفعِّل والكابح لهما في آن.
دمشق – 7/7/2005