يقال أن كل امة تحمل في داخلها بذور وجودها و فنائها ، و بالتالي تحمل
الأمة في ثناياها مجموعة من العوامل الايجابية و السلبية ، و لاشك إن
جملة الاستعدادات الروحية و الجسدية للتطور هي التي تمنح الأمة سمة
البقاء .
وإذا تناولنا الموضوع بشكله الجدلي ، فان الأمم تعيش وفي داخلها و بشكل
طبيعي نوع من الصراعات و التناقضات ، فلا يمكن أن نصف امة ما بأنها
ايجابية بشكل مطلق أو العكس . وجرت العادة أن تناضل الشعوب من اجل حياة
أفضل و ذلك بالقضاء على أسباب تخلفها في كافة النواحي سواء الاجتماعية
و الاقتصادية و الثقافية و السياسية بما يحقق لها الأمن و الطمأنينة و
دخـــــول التاريخ و ممارســـة دورها الحقيقي في بنــــاء الحضارة
الإنســـانية لإغنــــاء الثقافة البشــرية .
وطبعا نحن لا نستثني أي امة مما ذكر فميدان التطور و الحضارة ليس حكرا
على امة دون أخرى فمن الناحية الفطرية البشر متســـاوون في قدراتهم لكن
الاختلاف يأتي في نطــاق الســياقات الاجتماعية و الاقتصادية و
السياســية ، و الأمة الكردية كباقي الأمم تمتلك الكثير من العوامل
الايجابية التي تمكنها كغيرها من الأمم من أن تكون فاعلة في الحضارة
الإنسانية و مساهمة في بناء المستقبل فالتراث الوطني الكردي تراث غني و
ليس بأقل من تراث الشعوب و الأمم الأخرى . وفي نفس الوقت تحمل الكثير
من العوامل السلبية التي تعيق مسيرتها في التقدم و التطور ، و لا شك
فيه أن الجهل و الفقر و ألامية العشائرية .........الخ من هذه الآفات
التي يعاني منها المجتمع الكردي من الخطورة بحيث تتوجه نحو تدمير
المجتمع و إن أخذت طابعا نسبيا بحسب الجغرافية أو اتخذت لنفسها أشكالا
و أنماطا جديدة ففي كل الأحوال تبقى سلبية يجب مواجهتها .
من المؤلم جدا في القرن الواحد و العشرين - و إن كان الأمر لا يتعلق
بالزمن
– أن نرى هذه الآفات تزداد شدة في مراحل مختلفة و تصبح الموجهة لسلوك
الناس ، فكثيرا ما نسمع أن عشيرتين أو أكثر حدث بينهما خلاف فتأخذ لغة
السلاح دورها بالنيابة عن لغة العقل ، وعلى أثرها يقتل شخص أو أكثر ،
وعلى الغالب تكون الأسباب تافهة ، وللمثقفين حصة الأسد حيث يتحول
المثقفون و أصحاب الكفاءات إلى مرمى أهداف للرصاصات الغادرة و كأن
الشبان الأكراد الذين ينفقون سنين طويلة من حياتهم في التعليم ليخدموا
مجتمعهم و يرسموا لمستقبل أفضل ، فيتم اختزال كل ذلك برصاصة نتيجة
لخلاف كان يمكن أن يحل بطرق سلمية و الأمثلة كثيرة جداً .
وبعد حدوث ضحايا على اثر الخلاف ترتد كل عشيرة إلى مواقعها و تتحصن
فيها و تعد العدة لتقديم قرابين جديدة لإلههم القديم الجهل ، يصلون و
يسجدون له و يطلبون منه أن يمدهم بشرور أعظم وهم يرددون الصلوات أيها
الجهل المزيد من الدمار و القرابين أنت إلهنا و بك نستعين .
و تستمر المأساة حتى يأتي موعد قدوم الخاروف المهدي الذي يقدم نفسه
قربانا
لإيقاف الجريمة و من ثم يعود الجميع إلى أعمالهم و كأن شيئا لم يكن و
تبقى النساء على ذكرى الأحبة و هكذا إلى أبطال جدد و قرابين جديدة ،
إنها حالة من حالات الهستيرية و اللامبالاة .
إذا نحن أمام آفة خطيرة و يتطلب الأمر وقفة جادة لمناقشتها و محاولة
إيجاد مخارج لأزماتنا الاجتماعية الخطيرة التي تعيق نضالنا الوطني و
الوعي الإنساني عموما ، و النظم العشائرية هي وليدة مرحلة تاريخية
معينة أوجدتها ظروف و أسباب أكسبتها صفة الفعالية في أوانها ، إذا لابد
من تناول العشائرية من خلال سياقاتها الاقتصادية و الاجتماعية و مدى
صلاحية هذا النوع من العلاقات و أسباب استمرارها حتى الآن .
والحقيقة أن المساهمات الفردية لحل بعض المشاكل من هذا النوع تكون عادة
ذات نطاق ضيق لأنها لا تعود إلى أسبابها الحقيقية و معالجتها من جذورها
، بالتالي لا تخرج عن كونها مبادرة ضمن نطاقها الجزئي و لو ناقشنا ما
تخلفه الصراعات العشائرية مقارنة بما تخلفه ممارسات أعداء الشعب الكردي
من قتل و دمار و تشريد و تجهيل سنلاحظ حالة من التطابق ، فالصراعات
الداخلية أخطر بكثير على مبدأ إن احتلال القلعة من الداخل أسهل من
احتلالها من الخــارج و لا شك فيه أن هناك فئات مستفيدة بشكل أو بآخر
تحاول الإساءة إلى المجتمع الكـــردي و نضاله الوطني .
لذلك كلنا أمل أن تتدخل جميع الجهات المعنية و خاصة المثقفين و الحركة
السياسية ليشكلوا قوة ضاغطة ، وان يولوها اهتماما أكبر بما يتناسب و
خطورة الأمراض الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الكردي لما يعيق
نضاله من اجل حقوقه العادلة و بناء مشروعه النهضوي
.