rojava@rojava.net

 
   

البنية الصوتية للغة الكردية

rojava.net 11. 10. 2005

 
     
 

خالد جميل محمد

مفهوم البنية الصوتية:

يستدعي مفهوم "البنية" (Structure)، بهذا الإطلاق العام، مفهومي "النظام" و "العلاقات"؛ لأن اللغة نسق من العلامات أو منظومة تقوم على علاقات وقواعد وعناصر ووحدات وبنى عديدة ومتضافرة، وأنها (أي: اللغة) – في تشكلها الصوتي- واحد من أنظمة الإبلاغ، يقوم على وحدات متماسكة مترابطة بعلاقات وشيجة، يتم استعمالها، وتؤدي وظائف عديدة بفضل تلك العلاقات، وهي وظائف أجمع أهل اللغة المعينة على طبيعتها، وأهميتها لتحقيق التواصل وفق قوانين تنتظم وتتناسق على أساسها تلك العلاقات التي تقوي الأداء الوظيفي للوحدات الصوتية وتسهم في تنوع وظيفتها وتحسينها، وهي وحدات شفهية صوتية تتسلسل بحسَب خط الزمان ذي الاتجاه الواحد؛ فلا توجد أبداً وحدتان صوتيتان في الوقت نفسه وفي النقطة نفسها من البلاغ[1].

كما يَستبعد مفهوم "البنية الصوتية" ما قد يلتبس معه من مفاهيم من مثل "البنية الصرفية، والبنية النحْوية" ويميزها عنه، وتمتد دلالة البنية هذه، لتشمل الأنظمة والقواعد والقوانين التي تأتلف على أساسها تلك الوحدات التي يتعذر على اللغة أن توجد من دونها، حيث أن البنية الصوتية ذات وحدات تأتلف لتتشكل على أساسها -وبموجبها- ظواهر اللغة المترابطة في علاقات تتسم بالتكامل والوحدة.

ولما كانت اللغة منظومة أو نسقاً من العلامات اللغوية، فإن البنية الصوتية هي أيضاً منظومة من الوحدات التي تكون الصوت اللغوي، وتدخل في بنائه، وتكون تلك الوحدات قابلة للوصف والتحليل، وأهم تلك الوحدات ما يعرف بالفونيم (phonéme).

وقد أورد جورج مونان مثال طاولة من الخشب لتوضيح تعريف البنية، وفحوى مثاله أن تحليل هيكل (بنية) هذه الطاولة، هو البحث عن الوحدات الحقيقية في (تكونها) بنائها، ثم تفكيكها قطعة قطعة، بحيث تمكن إعادة تركيبها (جمعها) باعتبارها طاولة  فثمة أربع وحدات وهي الأرجل، وأربع وحدات أخرى تشكل الإطار، ثم وحدة أخرى وهي الطاولة في حد ذاتها، فضلاً عن الوحدة المكونة للجرّار، كما يمكن تفكيك هذا الأخير أيضاً إلى وحدات صغرى وفق الطريقة نفسها. فثمة بنية تقوم على اختيار في ترتيب الوحدات، ولكن معيار ذلك الاختيار هو "الوظيفة" التي جعلها جورج مونان مفهوماً رئيسياً في الألسنية الهيكلية(البنيوية). والوحدات الصوتية لا قيمة لها إن لم تتمتع بمعيار "الوظيفة" هذا، لأنه مفهوم جوهري[2].

ولا يقصد بذلك أن البنية الصوتية تتمتع بـ"انغلاق" على ذاتها، أو يمكن أن تتمتع بمثل هذا الانغلاق الذي يشكل بتحققه عدم جدوى تلك البنية التي تحتاج إلى البنيتين الصرفية والنحوية، ثم إلى البنية الدلالية لتكتسب السمة الحقيقية للنظام الذي تعرف به، من حيث كونه جملة من وحدات منسقة تتأثر بما يطرأ على الكلام من تغيرات في المستوى الصرفي أو النحوي أو الدلالي، وهي تغيرات تعكس علاقات مختلف مستويات اللغة والعناصر الداخلة في تكوين بنية اللغة.

فالصوت (c) في كلمة (car) يؤدي وظيفة تتميز بها هذه الكلمة - مثلاً- عن (bar) و(dar) و(jar) و(çar) حيث أن استبدال (c) بالوحدة الأولى (ç. j. d. b) في أي من تلك المفردات يحولها إلى (car) وكذلك العكس، فضلاً عن تبدلات صيغة كل منها بتأثير ما يطرأ على الوحدة الأولى فيها.

وقد يكون للصوتين قيمة وظيفية واحدة، وذلك في مثل صوتي (b) و(p) في (bîvaz) و(pîvaz) (أي: نبات البصل) وفي (şabat) و(şapat) (أي: الحقبة الزمنية والعصر، أو العاصفة الثلجية) أو في مثل صوتي (s) و(ş) في أول كل من (serşok) و (şerşok) (أي: مكان الاستحمام، أو عتبة الباب) وفي أول كل من (serjêkirin) و (şerjêkirin) (أي: الذبح) حيث لم يؤد الاختلاف إلى تغير في معنى أي منها، ومثلها: (gok): (gog) (أي: الكُرَة) و (govar) و(kovar) و(dinan): (didan): (diran) (أي: الأسنان) و (birçî): (birsî) (أي: جَوْعان) و (pov): (por) (أي: الشَّـعَر) . وهو ما عرف بـ"البدائل الحرة"[3] التي لا تؤدي وظائف تمييزية؛ والتي يكون استبدال صوت منها بآخر، دون أن يؤثر ذلك الاستبدال في المعنى، على النحو الذي مر في الأمثلة المذكورة، حيث ظلت المفردات محتفظة بمعناها رغم تغير صوت واحد وفي الموضع نفسه من الكلمة، وهذا دليل على عدم وجود علاقة ضرورية بين معاني هذه الكلمات وبين الأصوات التي تدخل في تكوينها، وبينها وبين ترتيب الوحدات الصوتية، سوى ما تم الاتفاق المسبق عليه، ومن ذلك أن تغير موضع وحدة صوتية أو أكثر قد لا يؤثر في المعنى أحياناً، ولعل السبب يعود إلى الاصطلاح، فكلمة (Berf): (الثلج) لم يتأثر معناها بالقلب المكاني الذي اعتراها في استعمال بعضهم إياها بصورة أخرى، كالتالي: (Befr): (الثلج) فضلاً عن عدم وجود علاقة طبيعية وضرورية بين (الثلج) بوصفه مادة طبيعية، وبين أصوات (Berf) و (Befr) لأن مثل تلك العلاقة الضرورية لو وجدت لكان ينبغي أن يكون اسم (الثلج) واحداً في جميع اللغات، لكن تعدد التسميات بتعدد اللغات دليل على الاختلاف بينها، وعلى اختلاف طرائق التواضع من جماعة لغوية إلى أخرى.

أما إذا أسيء لفظ وحدة صوتية أو استخدامها أو ترتيبها، بسبب تقارب صفات النطق بينها وبين وحدة أخرى، أو بسبب خطأ في تلقيها سابقاً، أو بسبب العجز عن لفظ وحدتين متجاورتين نتيجة عاهة عضوية أو مرض أو ليس لهذا السبب أو ذاك وإنما بقصد الإيهام، فإن تلك الإساءة قد تغير المعنى، أو تفقد العلامة اللغوية –في هذا المقام- دلالتها التي وضعت لها، وتجعلها تخسر وظيفتها الدلالية ومعناها، فمثلاً إذا أراد شخص أن يعبر عن عمق بئر ثم قال: (Ev pîr kore) فقد أساء بذلك استخدام الوحدات الصوتية اللازمة لهذه الدلالات، واستبدل (p) بـ (b)، و (o) بـ (û) أو ()، حيث كانت النية أن يقول: (Ev bîr kûre) أو (Ev bîr kwîre) ومعناه: (هذه البئر عميقة) لكن الاستبدال الذي أحدثه لسبب ما غير لفظ بعض الوحدات كما بدا، فصار المعنى – بحسب القول الأول: (Ev pîr kore)-: (هذه العجوز عمياء).

إذا كان (التمفصل المزدوج) (double articulation) -بوصفه سمة مميزة للسان البشري- "يشير إما إلى تقسيم تحتاني للسلسلة الكلامية إلى مقاطع صوتية، وإما إلى تقسيم تحتاني لسلسلة الدلالات إلى وحدات دلالية"[4] فإن اللغة الكردية أيضاً  تنتظم في مستويي التمفصلين الدلالي والصوتي.

ففي المثال المذكور: (Ev bîr kûre) (هذه البئر عميقة) تم انتقاء أربع وحدات دلالية، تمتاز كل منها باشتمالها على معنى، وهي تسمى في مستوى التمفصل الأول بالمونيمات (monémes) "أي الوحدات الأصغر التي تحتوي على معنى"[5] وهذه الوحدات هي (Ev): (هذه) و(bîr): (البئر) و(kûr): (عميقة) و (e) (فعل مساعد، وهو فعل الكون: تكون)، وهي وحدات لا تؤدي معانيها إن صغرت أكثر مما هي عليه. لكنها قابلة لاستبدال وحدات غيرها بها، وهذا الاستبدال يؤدي إلى تغير في المعنى كما بدا في المثال الوارد: (Ev pîr kore) (هذه العجوز عمياء).

وتسمى هذه الوحدات في مستوى التمفصل الثاني بالفونيمات، حيث تدخل في بنية هذه الوحدات الدلالية –وهي وحدات ذوات معان- وحدات صوتية أصغر من تلك لكنها لا معاني لها، إنما تؤدي وظيفتها التمييزية بفضل تعاقبها وتجاورها، من ذلك أن الوحدة الدلالية (bîr): (البئر) تستقل ببنائها ومعناها، وعندما يتم تحليلها إلى وحدات أصغر، فإن هذه الوحدات المفردة لن تحافظ المعنى العام لها، لكنها تكتفي بالحفاظ على صورتها الصوتية (r) و (î) و (b)، وقيمتها الوظيفية في إطار البنية الكلية للكلمة، لأن أي إبدال فيها سيؤدي إلى تغير في علاقات هذه الوحدات وفي المعنى.

اللغة والأصوات:

اقترن تعريف اللغة بالأصوات التي تحدثها أعضاء النطق، حتى أن تسمية (اللغة) في الكردية اقترن باسم (اللسان/Ziman) الذي هو أهم أعضاء النطق عند البشر جميعاً، وأكثرها استخداماً، حيث يقول الأكراد للتعبير عن القدرة على التكلم،: "Zimanê min geriya" وهم يقصدون بذلك أنْ"تحرك؛ أي نطق لساني" أو يقولون "Zimanê dê" وكأنهم يريدون بذلك أن اللسان هو الذي يحدد القدرة على التكلم أو أن اللغة هي اللسان وأن اللسان هو اللغة، علماً أن اللسان (langage) هو قدرة الإنسان على التواصل عبر أداة له هي اللغة (langue) وهو سمة عامة كونية للإنسان، واللغة هي منظومة علامات صوتية يتميز بها أبناء طائفة لغوية واحدة[6].

وتقوم بنية العلامة اللغوية على العلاقة بين صورة سمعية هي (الدالّ) وتصور ذهني هو (المدلول)، وكما أن الدال لا يمكن أن يكون بدون المدلول، كذلك المدلول لا يمكن أن يكون بدون الدال. ولا يميز النظام الصوتي اللغة عن أنظمة الإبلاغ الأخرى فحسب، بل يميزها عن الضوضاء التي هي أيضاً أصوات لكنها توصف بالاضطراب وعدم الانتظام، وانعدام الوظيفة الإبلاغية، حيث أن العقل هو مصدر النظام الصوتي، وهو الذي يمنح جهاز النطق المحدود ثراء وفاعلية لا حدود لهما[7]، وأن الوظيفة هي معيار التمييز والقيمة التي يمتاز بها الصوت اللغوي، فالبنية الصوتية تقوم على وحدات مختلفة متمايزة، وهي وحدات منتظمة، منتقاة، مرتبة، وذات وظائف تمييزية ،تعبيرية، إبلاغية، تواصلية و أحياناً ذات وظائف جمالية، ومثال ذلك أن كلمتي (can / الروح) و (çan/ الناقوس) تتميزان بفضل اختلاف وحدتين صوتيتين هما (c / ç) حيث أدت كل منهما وظيفة تمييزية تلزم عنها وظائف أخرى. وتتمثل تلك الوظائف مجتمعة في أي رسالة كلامية ينتوي صاحبها إيصالها عبر قناة صوتية تعد الحامل الرئيس لها، وقد توصلت البحوث إلى حقيقة مفادها أنه يتعذر على المتكلم أن "ينطق مرتين متتاليتين صائتاً أو صامتاً بالطريقة ذاتها تماماً"[8] 

فمبدأ الاختيار ضروري، إذ لولا الاختيار لالتبس المقصد واضطربت المرسلة الكلامية، ففي قول متحدث: (bûk rinde) (العروس جميلة) ثلاث وحدات هي: (bûk) و(rind) و فعل الكون المساعد (e) وهي وحدات قائمة على مبدأ الاختيار، بدءاً من أصغر وحدة في كل منها.. ولولا هذا المبدأ لاختلت الرسالة بين المرسل والمرسل إليه، وأدى ذلك إلى سوء الفهم، أو ضعفه، أو عدمه، لأنه لو أراد المعنى الذي يهدف إليه ثم قال: (pûk rinde) لكان المعنى كالتالي: (الثلج المصحوب بالمطر جميل) أو (الثلج جميل) أو قال: (pût rinde) لكان المعنى كالتالي: (الصنم جميل) وكذلك لو قال بدلاً من (bûk): (çûk) أو (tûk) أو (rûk) لتغير المعنى بحسب العناصر الصوتية التي يمكن اختيارها لأداء ذلك المعنى، وهذا ما يجعل للعنصر (p) في أول كلمة (bûk) قيمة وظيفية.

وتعرف اللغة في اللسانيات الحديثة بأنها شفرة أو"رامزة (Code) مشتركة بين جميع الأفراد الناطقين" وأن الكلام "هو الاستخدام الفردي لتلك الرامزة"[9] ويقصد بالرامزة "مجموعة قواعد تنسيقية منوطة بمنظومة إشارات نوعية، إذ لا رسالة ولا إبلاغ من غير الاتفاق قبلياً على رامزة (Code) أي مجموعة قواعد تنسيقية منوطة بمنظومة إشارات نوعية بين طرفي التواصل: المرسل/ المستقبل"[10] للتأكيد على أن اللغة تدخل في مجال الاستخدام عن طريق الكلام.

وقد تصور سوسير اللغة بوصفها فكراً منظَّماً في مادة صوتية[11]، كما عُرّفت اللغة بأنها "أصوات"[12]، أو نظام من الرموز الصوتية[13]، أو الأصوات المنطوقة[14]، نظام تدخل في تجسيده وحدات صوتية تحدث أثراً سمعياً، يتحقق به التواصل بوساطة نسق من العلامات التي تأتلف لتشكل وحدات اصطلاحية تنتقل من المتكلم إلى السامع[15]، في صور صوتية تنتقل عبر قناة (Canal) تستدعي صوراً ذهنية توافق ما تدل عليه، شريطة أن يتوافر تواضع واصطلاح مسبق بين المتكلم والسامع، لأن انعدام التوافق المسبق على رامزة (Code) من شأنه أن "يشوش" الرسالة الصوتية[16]، أو يفقدها المعنى المراد إيصاله، فتضطرب وتختل لأسباب قد تتعلق بالمرسل أو بالقناة أو بالمستقبِل أو تتعلق بهذه العناصر بعضها، أو جُلها أو كلها، لأننا عندما نستمع إلى متكلم بلغة نجهلها، لا تثير الصور الصوتية المسموعة أي صور ذهنية مناسبة في أذهاننا، لأن الأصوات تدخل في تركيب الكلمات التي هي نوع من العلامات تنطلق دلالاتها من قيمة اللفظ في ثقافة ما[17]، ولأن هذا النوع من العلامات يؤلَّف بطرائق اصطلاحية في كلمات ذات دلالات اصطلاحية[18].

فاللغة نظام من العلاقات والعلامات يأخذ شكلاً منطوقاً تتجسد فيه المعاني والدلالات المناسبة وفق تواضع مستعمليها، مما يحقق التواصل بين أفراد الجماعة اللغوية، فهم "يمتلكون معاً منظومة ترابط وتنسيق الأصوات مع المعاني"[19]. وهذا المعنى يستحضر تعريف (أندريه مارتينية) (André Martinet) اللغة بأنها "أداة تواصل يتم بها تحليل التجربة البشرية بشكل مختلف في كل طائفة، وذلك إلى وحدات لها محتوى دلالي وتعبير صوتي" ثم بين أن "هذا التعبير الصوتي يتمفصل بدوره في وحدات متميزة ومتعاقبة ندعوها الصوتيمات.." [20].

فليست الخصائص الصوتية منعزلة عن أنظمة اللغة الصرفية والنحْوية والدلالية، لأن بينها تأثيراً وتأثراً متبادلين، غير أن دراسة الأصوات تكشِف عن ظواهر لغوية لا تكشف عنها دراسات الأنظمة الأخرى، ولأن معرفة المستويات المختلفة للغة - بوصفها "منظومة كلية شاملة" أو بنية مشتملة على بنى متعددة- بعيداً عن المعارف الصوتية، لا تحقق نتائج علمية دقيقة وصحيحة، كما أن فهم أي عنصر من عناصر أي بنية، خارجاً عن الوضع الذي يشغله داخل تلك البنية، لا يكون ممكناً[21]، بل قد يكون متعذراً.

العلامة اللغوية:

تتشكل العلامة اللغوية من اتحاد دال (صورة صوتية و/ أو سمعية) ومدلول (تصور ذهني)، وذلك في نحو قولنا: (Çem/ النهر) حيث لا يقصد بهذا (الدال) نهر بعينه، وإنما هو اجتماع وحدات صوتية تشكل هذا الدال، وهي (Ç).(e).(m)، وهذا الدال يستدعي تصوراً ذهنياً هو المدلول؛ أي أن المدلول ليس هو نهراً بعينه أيضاً، وإنما أدى اتحاد الدال بالمدلول إلى إحالة إلى العالم الخارجي الذي تم اتفاق الجماعة اللغوية على تسمية واحد من موجوداته بـ (Çem)، وليس ثمة علاقة مبينة وسببية ومعللة بين هذا الدال وبين ذلك التصور الذهني (المدلول) وبينهما وبين المرجع الذي يحيلان إليه، بل العلاقة بين الدال والمدلول هي اعتباطية، وهي التي تشكل العلامة اللغوية التي تحمل المعنى، والعلاقة بين المدلول و ذلك الموجود الخارجي (المرجع/ النهر) هي مباشرة، في حين أن العلاقة بين هذا المرجع وبين الدال ليست مباشرة، ذلك لأننا عندما نقول: (Çem bi ave) (أي: النهر فيه ماء) لا يعني هذا أن كلمة  (Çem/النهر) فيها (av /ماء)، وإنما يعني أن موجوداً خارجياً- هو (Çem)- فيه ماء، وهذا يدل على العلاقة غير المباشرة بين الدال والمرجع الخارجي، أي بين تتالي أصوات هذه الكلمة وبين ما تستدعيه من تصور ذهني يحيل بدوره إلى هذا الموجود/المرجع، ولو أن أهل اللغة اتفقوا على تسمية هذا المرجع باسم آخر وليكن على سبيل المثال (Meç) –(وهذا غير مستعمل)- لكانت هذه الصيغة تؤدي هذه الدلالة أيضاً، لأنه لو كانت العلاقة سببية بين أصوات اللغة وبين ما تحيل إليه أو ما تستدعيه من تصورات، لكان بالضرورة أن تستخدم اللغات كلها علامات محددة وواحدة دون اختلاف في التسميات.

ولعل عبارة (وهذا غير مستعمل) كافية للدلالة على أن اختيار ترتيب الوحدات الصوتية ليس اختياراً حراً وعشوائيا وفردياً، وإنما يخضع لشرط الاستعمال والتواضع والاتفاق بين أهل اللغة، لأن أي ترتيب لأي وحدات صوتية غير مجمع على استعمالها، ولا يتوافق وذلك الاصطلاح القبْـلي (الضروري) سيكون عصياً على الفهم ، ويؤدي إلى اضطراب الرسالة اللغوية وتشويشها.

وإن كان ثمة عارض يردُّ صفة الاعتباطية المطْـلقة عن العلامة اللغوية، فإنه يتمثل في "محاكاة الأصوات"[22]، وهي ظاهرة تعرفها اللغات البشرية، ومنها الكردية، حيث يطلق على المرجع ما يوافقه في الصوت، فمثلاً يطلق الكردي على خرير الماء –محاكاة لصوته ووفق آلية سماعه إياه- أسماء مثل: (Xuşxuş) أو (Xuşîn) أو (Xumxum)، كما يطلق على دبيب الأقدام على الأرض –محاكاة لصوت ضرباتها ووفق سماعه إياه- اسم: (Terpeterp) أو (Teprep) أو (Reprep)، وكذلك ما أطلقه الكردي على أصوات النار بحسب نوعية المادة المحترقة وما يصدر عن احتراقها من أصوات، وبحسب آلية سماعه إياها، ومنها: (Qiçqiç: Qijqij صوت احتراق القش ونحوه، وصوت احتراق الزيت ونحوه) و(Gurgur: صوت النار الشديدة) و (Kizînî : Çizînî / صوت احتراق الشعر ونحوه)، وكذلك أطلق اسم (Mirçmirç) على صوت التقبيل، محاكاة له وبحسب سماعه إياه، كما أطلق الكردي اسم (Têtî) أو (Tîtî) على (طائر القُـبّرة) محاكاة للصوت الذي يصدره هذا الطائر، وبحسب سماعه ذلك الصوت، فصارت محاكاة الصوت علماً عليه، وصار يعرف به، وكذلك (Çîvçîv) أو (Çîveçîv) أطلق على صوت العصفور.

توصيف الأصوات:

لما كانت الأصوات "علامات خاصة" تستخدم في مجال الكلام، فإنها تجسد المنظومة اللغوية، بحيث تجعلها قابلة للدرس والتحليل، في واحد من أهم تجلياتها، من خلال تلك العلامات الخاصة.

أما توصيف الأصوات في هذا المقام، فيقصد به تصنيفها، وبيان صفاتها، وما يعتريها من تبدلات، أو يعتورها من معان ودلالات. وقد صنف كل من العرب والهنود الأصوات اللغوية على أسس فسيولوجية، وفق مواضع وأعضاء النطق ووظائفها، وصنف كل من اليونان والرومان الأصوات وفق الآثار السمعية لها[23].

كما عني علم الأصوات النطقي بدراسة مخارج وأعضاء النطق، وتبيان شروطه، وخصائص الأصوات من حيث تصنيفها وفق صفات وطرائق ومخارج النطق[24]، حيث اهتم هذا العلم بدراسة أعضاء النطق، والطرائق التي تنتج بها الأصوات، مستفيداً من نتائج علوم التشريح والفيزياء والطب وغيرها من العلوم، لبلوغ المعارف التي من شأنها أن تكشف عن طبيعة جهاز النطق والأعضاء التي يتألف منها، فأمدته هذه العلوم بمواصفات دقيقة أعانت المختصين بعلم اللغة النطقي على تعرف خصائص أعضاء النطق