| |
|
|
" الله... سورية... بشَّار وبس..!!"
|
|
rojava.net 11.06.2005 |
|
|
|
|
هوشنك أوسي
أثناء حضوري لجنازة تشييع الرئيس السوري السابق، الراحل حافظ الأسد،
كفرد مشدوه محشور بين جموع البشر المتراصَّة المتكدسة في ساحة الأمويين
بدمشق، يتأمَّل غرابة المشهد. حيث كانت جماعات الكوادر الأمنية البعثية
المحتشدة المفجوعة بمصابها الجلل، تردد شعارات تعبِّر بها عن مدى حزنها
العميق عن فقدانها لثاني عملاقة المشروع القومي العربي الفاشل بعد جمال
عبد الناصر. ومن جملة هذه الشعارات "الرِثائية، الندائبية"...:( حلَّك
يا الله، حلَّك، حطت الأسد محلَّك). ومفاد هذا الشعار أو هذه العبارة:
هو مطالبة جمع المفجوعين من الخالق الباري بأن يتخلى للراحل حافظ الأسد
عن ربوربيته. فقد طال أمد استلامه لسدَّة الألوهة، وآن أن يتركها للأسد
الراحل إليه...!؟.
ويبدو أن الشعار الآنف الذكر، قد عُدِّل وخُفِف ليأخذ رِتماً آخر، لزوم
الاستساغة السمعية. وليحتوي شيئاً من التضرُّع والتوسُّل والمناجاة لله
تعالى، ليصل الشعار إلى الصياغة الآتية:( يا الله ويا جبار، تخلي لنا
الدكتور بشَّار).
وبدأت الحناجر تصدح والألسنة تلهج بهذا الشعار، بعد أن زجَّت المؤسسة
الأمنية الحاكمة مئات الألوف من البشر إلى الشوارع كقطعان السوائم،
تبايع الدكتور بشار الأسد على أنه الأمل والمخلص، وتطالبه بتولِّي سدة
الرئاسة، إبان انتقال الأسد الأب إلى الرفيق الأعلى.
وبعد أن تحقق للجماهير السورية، ومن خلفها المؤسسة الأمنبعثية ما صبت
له، وبمنتهى الحرية والشفافية غير المشهودة والمسبوقة في التاريخ
المعاصر، وضمن حالة ديمقراطية فائقة التطور، أسست لأول نظام "ما بعد
جمهوري" في الشروق الأدنى والأوسط والأقصى. بعد أن تحقق مراد الجماهير،
طرأ تغيير آخر على الشعار، فأخذ صيغة تفاضلية لثالوث الولاء المطلق لدى
هذه الجماهير، فاستقرَّ الشعار على التالي: (الله...سورية...بشَّار وبس.).
قد يستبسط أو يستسهل أو حتى يستخف البعض بتطرقي لهذا الجانب من ثقافة
البعث التي قتلت روح الإبداع لدى المواطن السوري، وجعلت وعيه الجمعي
مكانيكياً يردد كلاماً لا يعي مدة خطورته، بعد أن قامت بمصادرة الوطن
منه. هذه الروح_أعني روح الإبداع_ التي تبدأ بقول كلمة "لا" لأمر لا
تتفق أو تنسجم معه، لخلق الجديد الموائم المناسب، وفق الرؤية
الشكسبيرية للحياة:"إن لم تعجبك حياتك؟ فغيّرها". ومن أين يأتي التغيير
في مجتمع، وروح الإبداع مقضيٌّ عليها فيه؟.
بمعنى آخر، ثقافة البعث القائمة على تدجين وتلقين الجماهير، هي
المسؤولة عن إحداث إتلاف وتدمير كبيرين للمجتمع السوري، إلى درجة لم
يعد يميّز بين الحزب والدولة، ويعتبر أي نقد موجه لحزب البعث هو طعن
للدولة السورية. وبالتالي، منتقد البعث، بالضرورة هو خائن ومتآمر على
الدولة لدى هذا المجتمع المريض المعطوب المعطَّل الذي ترعرع وتشرِّب
فكر البعث العروبي "الغشـ !ـتراكي"، حسب تعبير الكاتب الكردي زردشت
صابر.
وفي العودة إلى الشعارات البعثية المذكورة أعلاه، نجد في الأول _"حلَّك
يا الله حلَّك...."_ أنفسنا أمام أمرين لا ثالث لهما، إما أن تلك
المئات المحتشدة في ساحة الأمويين في دمشق، كانت فعلاً صادقة في
ارتباطها وتعلقها بزعيمها، لدرجة القداسة والتأليه؟ وهذه كبرى تجليات
الجهل المجتمعي الذي تخلقه النظم الاستبدادية التوتاليتارية في
مجتمعاتها. وإما أن تلك الحشود كانت دمى أو ببغاوات ملقَّنة، تردد ما
طُلبَ منها قوله. وهذه أيضاً كبرى تجليات ثقافة الخوف والإرهاب الذي
تمارسه وترسِّخه النظم الشمولية على شعوبها، ما يجعل تلك الشعوب عبارة
جماعة من القانطين اليائسين البائسين المقهورين، المغلوبين على عقولهم
وقلوبهم. جماعة من البشر مسلوبي الإرادة، تتحرك وفق المثل الشعبي
الشائع:" معهم معهم، وعليهم عليهم".
أما الشعار الثاني: "الله...سورية...بشَّار وبس"، فالتطبيقات العملية
للبعث على المجتمع السوري وتبعاته على مدى عقود، لم يبقى من الشعار إلا
جزءه الأخير. بمعنى، إن ممارسات البعث كنظام شمولي في تعاطيه مع
الإنسان ليس كقيمة كونية قدستها الأديان السماوية، لم يكن منافياً
لأبسط المعايير والمبادئ والقيم الدينية الأخلاقية التي طالبنا
بالالتزام بها سبحانه وتعالى وحسب، بل نسفت كل تلك الأخلاق والقيم التي
نادت بها الديانات لتنظيم علاقة الخالق بالمخلوق من خلال تنظيم وضبط
علاقة الإنسان بالإنسان، وعلاقة الحاكم بالمحكوم. وعليه، فمسلك البعث
في تعاطيه مع الوطن والمواطن لا يمت بأية آصرة تذكر بشرع الله. فالولاء
والطاعة لله والالتزام بشرائعه غير وارد في شريعة البعث المروِّعة.
وأما الوطن سورية، فتأتي بالدرجة الثانية في التفاضل الشعاراتي البعثوي.
لكن، الحقيقة التي لا تقبل الجدل، إن البعث قد طوَّبَ سورية باسم "المناضلين
الأشاوس الميامين الغيارا على حمى الوطن" المنتمين له. فأضحت سورية من
ممتلكات البعثيين وحدهم، كونهم الأكثر وطنية من أي سوري لا ينتمي للبعث،
يصولون ويجولون في ربوعها نهباً وسلباً وفساداً وإفساداً، من أين شاءوا؟
وكيفما شاءوا؟ ومتى شاءوا؟، كما فعل البعث في العراق، طبق الأصل.
ففي "فلسفة" البعث، الولاء لسوريا لا يأتي من كونها وطن وقيمة روحية
وفكرية تحدد علاقة الإنسان بالأرض التي عاش فوقها، والسماء التي عاش
تحتها، بل لكونها مرتع مباح للسلب والنهب ما استطاع إليه البعثي سبيلا،
وما أكثرها من سبل...!!.
أما الولاء لسيد الوطن الأول، الرئيس المفدَّى، هذا الولاء الذي يأتي
في الدرجة الثالثة شعاراتياً وبالدرجة الإولى فعلياً، ما هو إلا ولاء
لمن أمَّن ويؤمِّن لهم هذا القدر أو ذاك من الأريحية في مواصلة نخر
الوطن وامتصاص خيراته، ما ملكت أيمانهم وما لم تملك...!!.
فالشعار الحقيقي الذي ينعقد تحته مؤتمر العاشر للبعث هو: "الله...سورية...بشَّار
وبس"، وليس ما ذُكِرَ من "رؤية أخرى، وفكر يتسع للجميع".
وما أعتقده بأنه ليس هنالك ثمة رؤية أخرى في التعاطي البعثي مع الدولة
والمجتمع، حين أعلن نفسه قائداً للاثنين بانقلابه عليهما في 8/3/1963.
والفكر الذي سيتمخض عنه مؤتمره العاشر، لن يتسع إلا للبعث نفسه. و"يلي
عجبو، عجبو. ويلي ما عجبو؟ فسوريا ممتلئة بالحيطان البعثية.".
دمشق _ 8/6/2005
|
|
|
|
المقالات
المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع |
|
|
|
HEVGIRTINA REWŞENBĪRŹN KURDŹN ROJAVA LI DERVE |
|
|
|
|
|