أعتاد الشعب الكردي السوري أن يستيقظ كل يوم على البيان "رقم واحد"
الذي يعلن ولادة حزب سياسي كردي جديد منشقّ عن حزب قلبه، أو تكوَّن
من مجموعة من الأشخاص تركوا أحزابهم، وأرادوا أن يزجُّوا بأنفسهم
في "دائرة الضوء" من أسيس وأسهل منافذها أو أبوابها. والأنكى من
ذلك، إن كل حزب يشنق عن آخر، أو كل حزب جديد يضيف اسمه لقائمة
الأحزاب الكردية السورية الطويلة نسبياً، يرفع شعارات طنانة ورنانة،
من قبيل: وحدة الحركة السياسية الكردية، حشد الطاقات الكردية، رصّ
الصفوف، التوافق أو الوفاق الوطني...الخ. فأحزابنا الكردية السورية
تتكاثر كالأرانب على حد تعبير القاص الروائي الكردي حليم يوسف.
والمشكل الأكثر تعقيداًو مدعاة للضحك والاستهجان الاستغراب، إن كل
حزب من هذه الأحزاب يزعم أنه الطليعة التي لا قبلها ولا بعدها
طليعة. وإنه المركز، وباقي الأحزاب هي الأطراف. كل حزب يتهم الآخر
بأنه يعطل العمل الوحدوي أو التوافقي بين أطراف الحركة الكردية
السورية...الخ. وهكذا دواليك...؟!!.
يبدو أن موضة تأسيس أو تشكيل أحزاب سياسية كردية سورية التي كانت
ومازالت رائجة بين الكرد السوريين، قد أنتجت موضة جديدة، أو
تمخضَّت عنها موضة جديدة، أو وصلت لمرحلة أرقى من التقليعات
السياسية الفاخرة الباهرة. والتي تكمن في الإعلان عن تأسيس حكومات،
وأين..؟. في المنفى...!!!؟.
القضية هنا ليست في "مصادرة" حرية فرد أو مجموعة في تأسيس ما ترتئي
أو تشتهي أو تخطر على بالها من تشكيلات أو تعبيرات سياسية، بل في
مناقشة المسؤولية القومية والوطنية والأخلاقية الخطيرة الكامنة
وراء ممارسة هذه الحرية. والتطرق لمدى جديَّة تلك المسؤولية، وما
قد ينتج عنها من استتباعات ولواحق ذات طابع تعطيلي تشويهي تكبيحي
للفعل السياسي الكردي السوري..و هنا بيت القصيد.
أحياناً نتفاجأ بظهور أسماء جديدة تطفو أو تتطفَّل على سطح الحراك
السياسي الكردي بشكل مباشر أو غير مباشر. وفيا بعد، يظهر أن لهذه
الأسماء خلفيات وارتباطات أمنية مشبوهة بالنظام السوري. وعلى سبيل
المثال لا الحصر، محمد مروان الزركي، داوود باغستاني، بروين
إبراهيم التركي...الخ والمؤسف جداً، إن بعض القوى الكردية
والكردستانية كانت تسوِّق لبعض هذه الأسماء_رغماً عن أنفها_ في
الشارع الكردي السوري، في يوم ما.
سبق أن نوَّهت في إحدى حلقات القوس الثالث.."خمسة مناضلين
و((مناضلة))..؟!!." بأنني سأعرِّج على ما يسمى بـ"حكومة غربي
كردستان في المنفى". وستكون هذه الـ"حكومة" العتيدة في هذه الحلقة،
مرماً لبعض التساؤلات والمساءلات، على اعتبار إن أية حكومة، ما أن
تعلن بيانها الوزاري، تكون عرضة لذلك، إعلامياً على الأقل، بما
أننا لا نملك برلمان يمنح أو يحجب الثقة عن "حكومة" الملا. وتفادياً
لأية اتهامات أو إدانات استباقية لي من قبل رئيس "الحكومة وأعضاءها"
الكرام، بأنني عميل للمخابرات السورية أو أجير عندها، وأنني خاضع
لمزاج الحزب الفلاني، والزعيم العلاَّني، وأنني خائن، وينبغي
إعدامي في محاكمة عسكرية "عادلة" وأعدم في أقرب ساحة عامة في "جمهورية
غربي كردستان" في المنفى. تفادياً لكل هذا، أقول بأنه كل ما يدرج
أدناه من معلومات ، قد تطال رئيس "الحكومة" هي مجرَّد معلومات.
شخصياً، أتمنى أن تكون خاطئة، جملة وتفصيلا.
قيل: (إن السيد محمد جواد الملاَّ، كان موظفاً في مؤسسة الإسكان
العسكرية/ فرع 120/ بدمشق. كان يعمل مديراً مالياً في الفرع
المذكور من المؤسسة المذكورة. وفي مطلع الثمانينات، وأثناء جلبه
لرواتب الموظفين الشهرية التي كانت تقدَّر بـ"400" ألف ليرة سورية.
فلم يصل لا الملا ولا الرواتب للمؤسسة. وبقدرة قادر، هرب خارج
البلاد. هذه الحادثة موثَّقة في أرشيف المؤسسة. لكن الغريب،
والغريب جداً...إن الأموال المسروقة أو المختلسة...أو...مسجَّلة
تحت اسم محمد جواد الملا كـ"دين" وليس كاختلاس أو سرقة...!!!؟.).
وما أتمناه من السيد رئيس مجلس وزراء حكومة غربي كردستان، أن لا
يعتبرهذا الكلام من باب التشهير أو الطعن، وما أتمناه أن لا يكون
ذلك الـ"الجواد الملا" الحقيقي المختلس، ليس هذا الـ"جواد الملا"
الحقيقي الدكتور الرئيس. وكي نتبيَّن من ذلك، فقط، يمكن أن يجيبنا
السيد رئيس الحكومة: هل كان موظفاً في تلك المؤسسة وذلك الفرع؟ أين
كان موجوداً في مطلع الثمانينات؟... وحبذا لو يعرفنا السيد رئيس "حكومتنا"
في "المنفى" على نفسه: من هو جواد الملا؟ ما هو ماضيه السياسي ضمن
الحركة السياسية الكردية؟. وبس، خلاص.
بالعودة لـ"حكومة غربي كردستان في المنفى"،و ما يستشفُّ من إطلالات
السيد رئيسها التلفزيونية، إنها تدعو إلى إقامة جمهورية كردستان
سوريا المستقلة. لن أتطرق لمدى معقولية أو عقلانية هذا الطرح، على
المدى القريب على الأقل. فهل تكرَّم علينا صاحب جناب عالي المقام،
رئيس الحكومة بأن يجيبنا على هذه التساؤلات: هل هذه حكومة يسارية
أم يمينية؟! إسلامية أم علمانية؟!. هل هي حكومة أغلبية أم أقلية؟!
هل هي حكومة حزب واحد أم حكومة ائتلاف وتوافق وطني؟!. وإن كان
حكومة حزب واحد، ما هو اسم هذا الحزب، وما هي طبيعة برنامجه، وما
مدى حضوره وفاعليته وتأثيره في الحراك السياسي الكردي السوري؟! وفي
حال كانت حكومة وفاق وطني، ما هي الأحزاب المشاركة فيها، ما هي
طبيعتها وحجمها في الشارع السياسي الكردي السوري؟!. من كم وزارة
تتألف هذه الحكومة، وما هو دستور عملها؟! ومن هم الوزراء؟! لمن
أسندت وزارات السيادة، الخارجية، الداخلية، الدفاع، المالية،
التخطيط...الخ؟!. كم دولة إقليمية أو عالمية اعترفت بهذه الحكومة؟!.
ما هو حجم النشاط والتمثيل السياسي والدبلوماسي الذي تلعبه هذه
الحكومة في الـ("المنفى") الاضطراري – الاختياري؟!!. ما هي الخطط
والبرامج والمشاريع التي تبنتها، وماذا أنجزت منها؟!.
أعتقد أن هذا التفريخ العشوائي للأحزاب الكردية السورية، وما نجم
عنها من خزعبلات وفقاعات وشطحات في الدعاية والإعلان عن حكومات
برلمانات خلبيَّة في "المنفى"، كل هذا من شأنه الصب في طاحونة
النظام الأمني السوري من جهة، من جهة أخرى، تشويه الحالة الحضارية
الكردية السورية ضمن محيطيها الوطني السوري، والقومي الكردستاني.
أن الكرد السوريين، كأخوانهم العرب، "اتفقوا على أن لا يتفقوا".
وما يدعو إليه السيد رئيس الحكومة الخلبيَّة في تنظيراته الركيكةو
دفاعه الضعيف الهزيل المرتبك المزايداتي الهوبراتي عن ما ينادي به،
خاصة في الإعلام العربي، ما يؤكِّد ادعاءات النظام السوري عن الكرد
السوريين، بأنهم "انفصالون، ويودون اقتطاع جزء من سوريا". هذا
التوجه الـ"الجواد ملاَّوي" من شأنه تغذية ادعاءات النظام السوري
وافتراءاته على الحركة السياسية الكردية السورية، ويقدم صورة
مشوَّهة للنموذج السياسي الكردي السوري للرأي العام السوري خصوصاً
والعربي عموماً. والطامة الكبرى هنا، إن بعض المجموعات و الجهات
السياسية والإعلامية الكردية السورية التي تتغنى بالوطنية
العقلانية تروِّج للسيد جواد ملا وحكومته "المنفية" عبر نشر
بياناته. ربما دون أن تدرك إن في ذلك اعتراف بهذه الحكومة الوهمية.
في ذلك إساءة لنفسها وللشعب الكردي السوري نضاله القومي والوطني
العادل، وخدمة جليلة وعظيمة للنظام السوري.
دمشق / المحرر/ 8-11-2005