rojava@rojava.net
الحدود و صراع الأقليات في الشرق الأوسط
rojava.net 10.11.2005
حسين جمو يشكل التنوع الثقافي أحد أهم صفات التراث الحضاري لمنطقة الشرق الأوسط التي شهدت الحضارة انطلاقتها المبكرة منها . و رغم أن تقاليد التسلط السياسي كانت أيضا إحدى التقاليد الدولتية الشرق أوسطية حتى يومنا الراهن, إلا أنه من غير الممكن أيضا إزالة أي عنصر ثقافي ( قومي-ديني- مذهبي ..)تحت أي ضغط كان مهما كان شكله – إلا في حال التعرض لإبادة فيزيائية - , و يعود مثل هذا التجذر بالدرجة الأولى إلى أن أي عنصر ثقافي شرق أوسطي لم تتح له فرصة التشكل بصورة مستقلة و بعيدة عن الأخرى , وبالتالي نجد أن الحدود السياسية المرسومة( يدوياً) تقف حائلاً دون تحقيق التطور السياسي و الاقتصادي و المجتمعي في المنطقة هذا دون التطرق إلى مدى شرعية هذه الحدود المرسومة و مطابقتها للأمة التي تنسب هذه الدولة أو تلك نفسها إليها . لكن بدلاً من التفكير بعدم شرعية الحدود السياسية في هذا الوقت , فإنه ليس من المحرج الاعتراف بأنه سيكون أمرا غريباً أن توجد دولة في الشرق الأوسط ذات مكون أحادي , مهما بالغنا في دقة رسم حدود سياسية جديدة وذلك لتشابك العناصر الثقافية المجاورة لبعضها البعض . فضلاً عن اشتراك هذه الثقافات( الكردية - العربية- التركية - الفارسية ) في خلق هوية أعلى في الكثير من المراحل التاريخية . و منها يمكن القول أن الدولة القومية الشرق أوسطية يمكن لها مواصلة وجودها بشكلها الحالي إذا رغبت بتحويل التراث المشترك إلى حروب جديدة . إن إخضاع "الحدود" لنوع من إعادة التفسير و التعريف بشكل يتضمن الأقليات كواقع سابق للحدود عبر تقليص الوظيفة القومية للدولة تمهيداً لإلغائها خارج محيطها الجغرافي ربما تؤدي إلى التخفيف من محاولات الهروب الجغرافي لشعوب تتعرض للنفي السياسي و الثقافي . و بالاستناد إلى التراث المشترك بين شعوب المنطقة فإن حالة القطع أو فصل الثقافي عبر السياسي هي أحد أوفر الطرق حظاً في قيادة الشرق الأوسط إلى المأساة التي نعيش جزءاً منها. الحاسم في الأمر ليست مدى أخلاقية الحدود السياسية و إنما شكل العلاقات الذي يجب أن يسود بين شعوب وجدت نفسها محصورة داخلها دون أن يكون لها خيار تحديدها . و هو ما خلق مشكلة أقليات لا تعترف "الدولة الطارئة " بوجودها , الأمر الذي يسقط حق الدولة في الوجود أيضاً من قبل الشعوب المعرضة للإلغاء. لكن لماذا هناك صعوبة في تصحيح العلاقات بين الشعوب التي أصبحت أقليات بعد سايكس- بيكو, و بين الدول التي تعرفت على حدودها أيضاً بعد سايكس بيكو؟ إن محاولات إلغاء شعب تاريخي داخل في تكوين دولة لم تصبح تاريخية بعد لا تنبع كما كان سائداً من فرض الأكثرية نفسها على مكونات أقل حجماً , و إنما بدرجة أكبر يعود إلى هاجس الأقليات المذهبية و الدينية في توفير شروط بقاء أنانية بوسائل سياسية أكثر منها ثقافية . و الأكراد في كل من سوريا و العراق وقعوا ضحية أنانية الوسائل التي اتبعتها أبناء المذاهب الذين وصلوا إلى سدة الحكم و ليس ضحية للصراع القومي, و هذا التغلغل المذهبي في القومية هو الذي يعطي القومية العربية تلك الصفة القاتمة التي نعرفها . في سوريا , نجد تاريخياً أنه كلما تصبح مفاصل الحكم متركزة بيد أبناء المذهب الحاكم كلما يزداد التوجه القومي للبلاد تطرفاً , و كذلك الأمر بالنسبة للعراق خلال فترة حكم البعث , حيث تم دعم نزعة القومية العربية و ذلك لضمان تمويه الهوية المذهبية لتجنب الصدام مع الشيعة . إن مثل هذا التوجه يمكن أن يكون سليماً , لكن ليس في بلد يشكل الأكراد 23% من سكانه في العراق , و 13% في سوريا , الأمر الذي يدفع الأكراد إلى البحث عن فلك سياسي آخر يتحركون فيه , بل و توجيه أنظارهم نحو عاصمة أخرى . و بالتالي بدلاً من أن تصبح الأقليات قوة ضمان ديمقراطية , تحولت إلى مؤسسات دكتاتورية تدّعي منهجاً فكرياً و أيديولوجياً مزيفاً للهرب من هويتها الحقيقية بدافع الخوف . ومثل هذه التناقضات بين الأقليات المذهبية و القومية لم تقتصر على الدول التي تعاني من هذه المشكلات بعينها , بل يتجاوز إلى دول المنطقة كلها . الأمر الذي يدفع أحياناً إلى الشك بوجود اتفاق ضمني بين أصحاب التوجهات المذهبية على الطرح القومي العربي , فالزعيم الدرزي وليد جنبلاط و في حديث لقناة العربية بتاريخ 30-10-2005 يتخوف من تغيير قد تشهده سوريا يكون وطنياً أكثر منه قومياً , و أعلن بوضوح أن الأكراد هم جزء من النسيج العربي في سوريا و نافياً وجود قضية كردية في سوريا. لم يعد خافياً بوجود صراع أيديولوجي عميق بين الفكر السياسي للأقليات الدينية و المذهبية في الشرق الأوسط و بين الفكر السياسي للأقليات القومية على وظيفة الحدود و شرعيتها . فالأولى تستخدم فضاء العروبة كأيديولوجيا " حمائية " . أما الثانية فهي تستند إما إلى فضاء الوطنية و المواطنة كتوجه سياسي يحافظون بها على هويتهم القومية ضمن الوطنية , أو ربما يلجؤون إلى التفكير بالانفصال في حال استمرار الإلغائية من قبل الأولى و عدم تحكم الثانية في ردات الفعل .و بالتالي يصاب الحراك الديمقراطي الوطني بالشلل. وفي حال عدم حل هذه التناقضات يمكن التذكير فقط ان نتيجة ذلك حتى الآن كان الفشل في جذب جغرافية الفكر السياسي للأكراد إلى دمشق و أنقرة و طهران و ربما بغداد أيضاً .
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE