تلبية
لنداء المناضل
حمزة نويران
آزاد برازي
جرت العادة أن توجد لدى الشعوب
بعض المفردات الرمزية للدلالة على خصوصيتها
الوطنية كالتراث و الفلكلور و العادات و
التقاليد و الشخصيات التاريخية التي
تعتد بها باعتبارها شخصيات اعتبارية لها
دور كبير في خط تاريخ أممها و شعوبها
ولا يشذ الشعب الكردي عن هذه القاعدة
.
وقد تؤثر السياقات بأشكال متعددة و
مختلفة فتأخذ ألوانا إيجابية تارة و
سلبية
تارة أخرى أي قد تكون عبارة عن عوامل
مساعدة للحفاظ على الخصوصية بشكلها
المتوازن أو تتحول إلى أدوات ممهدة
للشوفينية بطابعها العنصري وفي الحقيقة
لست
راغبا في الخوض في التحليلات و
الغوص في جزئيات هذا الموضوع و دلالاته
و أبعاده
بل أكثر من ذلك أحاول أن أصور
حالة نعيشها حاليا أي ما أود أن اذكره
يحمل طابعا
واقعيا أو يمكن أن أسميها
ثورة داخلية بعيدة كل البعد عن
التنظيرات ولربما يرغب
البعض أن يسميها تعقيدات
وذلك وفاءا لما جال في خاطري من أفكار
وقد أصبحت لاحقا
أصولا للاستنباط
فباعتقادي ان الحياة الانسانية هي عبارة
عن رحلة من البديهة
الى البديهة وان
يختلف الشكل الاول عن الثاني في نقطة
جوهرية وهي مسألة الوعي
ولاشك فيه انها
مسيرة صعبة لكنها تستحق المعاناة ومن
الخطأ أعتقاد اننا نعمل
لحاضرنا فنحن نعمل
بامتياز من أجل المستقبل الذي هو حاضر
الاجيال القادمة وفي
واقع الحال يصعب
علينا جدا عندما نعلم ان الاجيال
القادمة ستلقي بنا في بحرمن
النسيان فهذا ما
لم نحسب حسابه فنحن عملنا من أجل الخلود
و الحياة وليس من اجل
الفناء و الموت
.
هذا ما نعانيه اليوم و السؤال الذي كان
يفرض نفسه الى أي مدى كنا اوفياء
لهولائك المناضلين الذين فعلوا الكثير
من أجلنا ؟
منذ الصبة و أنا احاول
جاهدا البحث و القراءة في مواضيع ثقافية
متعددة انطلاقا
من التاريخ الى السياسة
و الفلسفة .......الخ من هذه المواضيع
وذلك بحسب
المرحلة العمرية التي كنت فيها
وفي البداية أول ما جذبني من الموضوعات
هو واقع
الشعب الكردي باعتباره واقع حال
معاشة بالنسبة لي لانتمي الى هذا الشعب
و
المعاناة كانت تدفعنا باتجاه البحث عن
الجذور و الاصول ولربما على الطريقة
العشائرية أوهي الرغبة بالانتماء أو هو
شيء
من بداية ارهاصات لمعرفة الذات
بوتيرتها المتسارعة حسب السياقات
المفروضة
انطلاقا من الكل الكردي بمستواه
الكردستاني العام الى الخاص الكردي في
الجزء
السوري فأصبحت الدائرة أضيق و
المواضيع أكثر تخصصا وصولا الى الحالة
السياسية
الكردية في سورية وممارساتها
الممسوخة و البائسة المغرقة في الابتذال
ولا يختلف
معي أحد ان الملامح اصبحت
ظاهرة للعيان المتميزة بفقدان الاصالة
فانقطعت الجذور
عن الماضي فخسرنا الحاضر
كما فقدنا الماضي
.
قرأت معظم المواد التي توفرت
لدي عن الحركة السياسية الكردية في
سورية وخاصة في
مرحلة التأسيس باعتبارها
اشكالية مطروحة على الساحة السياسية
الكردية
وباعتبارنا شعب نهوى و نعشق
المشاكل و الخلافات و نقدس الانشقاقات و
المهاترات
والانا مضخمة الى حد لايطاق
نتميز عن كل شعوب الارض بأننا قادرين
على توليد
المشكلة من البديهة ذاتها دون
كلل أو ملل بالمقابل نفتقد الى روح
الجمال و
الابداع و الخلق و البناء و الوفاء
كما أوصانا زرادشت و أخبرنا أن
اهورامزدا
خلق الانسان كي يتمم فعل الخلق و
البناء على هذه الارض فأين نحن من كل
هذه
الوصاية .
تقاسمنا عذابات
المناضلين وكأنها تركة أو ارث باعتبارها
اطارات نتأطر ونتبروظ
بها هذا ما
اخبرني به المناضل حمزة نويران عندما
التقيت به و قبل ذلك قلبت
صفحات الكتب و
المجلات التي تتناول تأسيس الحركة
الكردية و المراحل الاحقة على
التاسيس فوردت
الكثير من الاسماء و الشخصيات التي
ساهمت بتأسيس الحركة الكردية
وعلى رأسهم
المناضل حمزة نويران و لفت نظري دوره
البارز في مرحلة التأسيس و
المعاناة التي
لاقاها لاحقا في المعتقلات و الزنازين
فقررت التوجه الى مدينة (
سري كاني) التي
احتضنت رفات هذا المناضل وذلك بعد دعوات
من قبله لزيارته وبرفقة
الشاعر الكردي
المخضرم( بيبهار) وبخطوات مثقلة اتجهنا
الى تل صغير بحجمه و كبير
بمضامينه حيث
احتضنت مقبرتين اسلامية و مسيحية وأثناء
ذلك تبادلت الحديث مع
شاعرنا بيبهار
حول شخصية المناضل حمزة نويران وخاصة ان
شاعرنا تحدث عن المناضل
حمزة من خلال
ديوانه الاخير في قصيدة شعرية مطولة
فأخبرني بأن المناضل حمزة هو
أول من وضع
أسس أول حزب كردي في سورية بين عامي
1956-1957 وهو الذي شكل أول
خلية للحزب و
أخبرني أيضا أنه على يد حمزة نويران دخل
الحزب وتحدث بشكل مطول
عن المعاناة
التي عاشها حمزة نويران في السجون و
المعتقلات باعتبارأن شاعرنا
أيضا كانوا من
الذين أعتقلوا في حملة الاعتقالات
الشهيرة في بداية الستينات من
القرن الماضي
وانه و حمزة نويران و غيرهم من القيادات
السياسية الكردية وضعوا
في زنزانة
واحدة وتحدث ايضا عن المعاناة التي
عاناها هو و افراد عائلته و
اولاده سواء من
مضايقات سياسية من قبل الاجهزة الامنية
التي اثرت بشكل مباشر
على الحالة
المادية و المعاشية وهكذا أخذنا الحديث
حتى وصلنا الى المقبرة التي
احتضنت رفاة
المناضل حمزة نويران فكان لدي تصور مسبق
بأني سأشهد قبر هذا
المناضل وسيأخذ هذا
القبر شكل مزار وتولد لدي هذا التصور
لما سمعته عن نضال و
التضحيات التي قدمها
خدمة للشعب الكردي لكن المفاجأة كانت
كبيرة جدا عندما اشار
الشاعر بيبهار الى
قبر تكاد معالمه تختفي وقال هذا هو قبر
المناضل حمزة نويران
الذي اسس الحركة
الكردية و نبرة اسى كانت واضحة في صوته
وبعد قراءة الفاتحة على
روحه الطاهرة
جلسنا بجانب القبر وأخذنا نتبادل الحديث
عن اهمية وفاء الشعوب
لعظمائها و
مبدعيها ومازاد قلقي و خشيتي هو أن نكون
امام ظاهرة عامة وليس الامر
متعلق
بالمناضل حمزة نويران فقط بل هو حال
بقية المناضلين الذين أصبحوا بجوار
ربهم ،
قد لا أوجه اللوم بشكل مباشر الى اولاد
و أحفاد حمزة نويران لأنه لم يعد
مالكا
لعائلته فقط بل هو ملك للشعب الكردي
لذلك اتوجه باللوم لحركتنا السياسية
وأحملها المسؤولية المباشرة لما نعيشه
من ابتذال فاق الحدود .
ضمن ما ذكره
الشاعر بيبهار أثناء تبادلنا الحديث((
هل حال حمزة نويران سيكون
حالي أيضا بعد
موتي ؟؟)) بصراحة لم امتلك الاجابة على
سؤاله .
فقليلا من الوفاء يا سادة