
جان
كورد
لاشك أن بعض المتفائلين
في العالم ، ومن بينهم زعماء الكورد السوريين العجائز، توقعوا أن يفتح
مؤتمر حزب البعث العربي الاشتراكي أبواب عالم جديد (للشعب ... لكل
الشعب!) ، على حد قول الرئيس الراحل حافظ الأسد يوم قيامه بحركته
التصحيحية عام 1970، أو يحلق بالسوريين جميعا إلى كوكب آخر، حيث لا
دكتاتورية ولا استغلال ولا تمييز ولا تعسف ولا مخابرات ولا مسلسلات
إخبارية مملة عن عظيم الأمة وسليل الآلهة وفارس العرب الكبير.. إلا أن
آمال المتفائلين ، والكورد منهم خاصة، قد خابت وشموع المصلين من أجل
الإصلاح الداخلي في حزب البعث انطفأت وعيون الذين لا زالوا يؤمنون
بأسطورة البعث الخالد ومعجزاته الساحرة قد أدمعت لما نجم من خيبة أمل
عن هذا المؤتمر الوردي الذي كان مفروضا فيه أن يغير وجه العالم...إذ
لايزال البعث بعباءته العقيدية العفلقية المهترئة يرمي بظلاله
المترامية على كل بند من البنود التي ناقشها المؤتمرون وكل القرارات
الصادرة عنه، رغم ثقل التواجد المزمن للرئيس الذي صار في الإعلام
السوري على حد تعبير الفيلسوف عماد فوزي شعيبي المأخوذ بنشوة الانتصار
اللذيذة وهو يصفه خلال أيام المؤتمر بقائد المعارضة السورية (!) ضد
حكومة غير مرئية من عمالقة الفساد والإجرام والثراء الفاحش وتؤيده في
ذلك محدثته الصحافية التي نسيت اسمها وللأسف
كثيرة هي مشاكل سوريا
السياسية والاقتصادية والمالية والتي عرضت منها موضوعات مختلفة للنقاش
، إلا أن مشكلة المشاكل لم تناقش بجدية، فالبعث يحتفظ بكل هيبته
وطليعيته (!) وفهمه الذي لا يفوقه فهم لمختلف القضايا المتعلقة بالوطن
والجيران والعالم ، وهو الذي يضع الخطط ويقدم المشاريع ويقود المجتمع ،
مع تقديم بعض التنازلات الشكلية لمجموعات ومؤسسات ومنظمات شكلية
كارتونية تحرك كالدمى على مسرح العرائس، فاللاعب الأهم في الدولة،
ونعني به ال(17) فرع للمخابرات ، هذا العنصر سيستمر في مراقبة الأداء
وتوزيع الأدوار وترويع المعارضين وتغذية المتملقين وتزويدهم بأسباب
القوة وعرضهم على مسرح العرائس وليذهب الشعب، كل الشعب إلى جهنم وبئس
المصير ، إلا الفئة الناجية المتكئة على كتف النظام البعثوإرهابي
أما طيبة قلب السيد
الرئيس وطلعته البهية المعارضية من المقاعد الخلفية أحيانا فلن تقنع
الشعب السوري بأن شيئا قد تغير حقا، وسينسى حركاته الاستعراضية كما
نسي خطاب توليه العرش قبل سنوات خمس سنوات عجاف، وكما نسي الشعب وعود
الحركة التصحيحية المعسولة في عهد أبيه
مؤتمر حزب البعث رغم
تصفية الكوادر المترهلة العجوزة التي لم يكن لها دور سياسي حقيقي، سوى
تلقي الأوامر وتنفيذها دون نقاش، مثل عبد الحليم خدام ومصطفى طلاس وعبد
القادر قدورة الذين سخر منهم الشعب السوري طوال العشرين سنة الماضية
بأن حجابهم يملكون من الصلاحيات ما لا يملكون، لم يأت بشيء جديد ولا
يمكن مقارنته بآخر مؤتمرات الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي أو في
جمهورية ألمانيا الديموقراطية أو في بلد آخر، لأنه جاء تأكيدا
لاستمرارية نظام العائلة المقدسة، ولاستمرارية حكم "المخابرات" التي
أحكمت قبضتها على البلاد كبيت العنكبوت، وتمكنت من غرس أعشابها
الطفيلية في مختلف الأحزاب والتنظيمات ، والمؤسسات، وبخاصة في الجيش
وقوات الأمن، وصفوف البعث الحاكم...فأي جديد يمكن الحديث عنه؟ وحتى لو
صدر من القيادة الجديدة التي دخلت فيها امرأة لأول مرة في تاريخ البعث
مشروع لقانون الأحزاب فإن النتيجة ستكون حرمان الشعب الكوردي الذي يشكل
القومية الثانية بعد الشعب العربي في البلاد من حق تشكيل حزب أو أحزاب
قومية لأن مؤتمر البعث رفض ذلك، وكذلك فلن يسمح لأي تنظيم على أساس
ديني
من نيل الرخصة بالعمل.
أي أنها ديموقراطية على قدر ما يسمح به النظام البعثوارهابي، لا أكثر
ولا أقل
فمن سيهلل للبعث وللحوار
معه بعد الآن؟ ومن سيتجرأ على الادعاء بأن البعث بعد مؤتمره هذا على
طريق منح الشعب السوري حريات وديموقراطية وخبزا وسلاما ؟ ومن سيتمكن من
اقناع هذا الشعب بأنه نال ما أراده بانعقاد مؤتمر البعث هذا؟
أما عن الحركة السياسية
الكوردية التي قلنا عنها منذ أكثر من سنتين بأنها على طريق انشقاق أفقي
وشاقولي كبير يصل إلى أعماق كل تنظيماتها وجذورها ويدك قلاع قياداتها
دكا عظيما، فالوقت قد حان لتعترف أجنحتها التي كانت حتى انعقاد مؤتمر
البعث تأمل في الحصول على قبس من نور البعث الوضاء بأن الشعب الكوردي
يهرب من بين أيديها ولم يعد يثق بها وبحوارها المضني العميق الذي دام
أكثر من ثلاثة عقود من الزمن ولم يأت له بخير.. إن على هذه الحركة
وقياداتها أن تنظر إلى حجم وعدد المقالات والبيانات والمنظمات
المتزايدة في الآونة الأخيرة ومن داخل تنظيماتها أيضا، تلك التي ترفض
هذه السياسة العقيمة التي يمكن وصفها بأنها "تبعية سياسية خرقاء لنظام
أخرق" لا يعترف دستوريا ولا سياسيا بالقومية الكوردية ولا يبدي أي
استعداد للاعتراف بوجود هذه الحركة في حين يسعى لعقد اجتماعات بين
"رؤساء العشائر الكوردية" وأعلى شخصية في الدولة والنظام، وكأنها هؤلاء
السياسيين الكورد أقل شأنا ومكانة وقوة من رؤساء العشائر الذين لا نشك
في وطنيتهم وقدراتهم... ومادام البعث لا ينبت سوى الأعشاب الضارة ولا
يسمع نصائح المعارضين الديموقراطيين ولا يبدي أي اهتمام جدي ، رغم
محاصرته دوليا، بما يجري حوله في هذا العالم الكبير، فلماذا يصر هؤلاء
"العجائز سياسيا" على "حوار هادىء مع دمشق" في حين أن دمشق لا ترى فيهم
ممثلين للشعب الكوردي ، بل تقترب من رؤساء العشائر الذين يمثلون مصالح
عشائرهم ونحترمهم جميعا وليس كل الشعب الكوردي ، أم أن البعث يسخر من
قادة الحركة السياسية الكوردية، كما يسخر منه الشعب الكوردي عامة؟
الجديد في سوريا اليوم
ليس مؤتمر البعث الذي كان أشبه بإيقاع رتيب ممل، وإنما هو ما نراه من
حراك شعبي هائل في الشارع الكوردي الذي يتميز عن الشارع السوري العام
في يومنا هذا بتصديه المباشر والقوي لسياسة النظام البعثوإرهابي ويرفض
الحوار اللامجدي الذي ترمي منه الأجهزة الأمنية القمعية مجرد تضييع
الوقت وتفتيت الحركة السياسية الكوردية وتقزيم القوى المناهضة لسياسة
النظام...ويسعى الديموقراطيون الكورد من أجل بناء أشكال أخرى من
النضالات السلمية المؤثرة... الجديد في سوريا هو ما تقوم به العصابات
المسلحة المدعومة من قبل النظام البعثوإرهابي من البعثيين وبعض أبناء
العشائر العربية – مع الأسف - لترويع الكورد ونهب ممتلكاتهم وإجبارهم
على الكف عن التحرك صوب نضال سلمي ديموقراطي في الشارع... والجديد في
سوريا اليوم خارج قاعة مؤتمر البعث الذي يصم أذنيه ويغمض عينيه عما
يحدث في كوردستان سوريا خاصة وفي سوريا عامة هو أن الشباب الكورد لن
يسمحوا بأن يذهب دم الشيخ الشهيد المناضل محمد معشوق الخزنوي هدرا
وكذلك دم سائر الشهداء الذين سقطوا على طريق الحرية في سورية... وهؤلاء
الشباب برأيي يجب أن لا يتركوا لوحدهم، دون دعم وتأييد ، أدبي وخلقي
على الأقل، لأنهم عدة المستقبل وبناة سورية حرة ديموقراطية تعددية
سورية، ومن دونهم لا يمكن تحقيق أي شيء إيجابي، سواء للكورد أو للشعب
السوري عموما... وأنا واثق من أن حركتهم الشارعية المناضلة ستتحول إلى
انتفاضة عارمة، حتى ولو لم تكن في أيديهم سوى الحجارة، إن استمرت
الحركة السياسية في ترددها هذا ، وبقي النظام البعثوإرهابي على سياسته
الاقصائية للشعب الكوردي. وإن لم يجر تحقيق دولي في قضية اغتيال
الدكتور الشهيد محمد معشوق الخزنوي، فإن كوردستان سوريا ستتحول إلى
دارفور ، ولذا يجب التفكير في أسلوب حماية الشعب الكوردي في كوردستان
سوريا من تجاوزات النظام العفلقي والعصابات المدعومة من قبله التي
تتصرف كأجهزة باراميليترية شبيهة بالتي كانت تسمى في تركيا بحزب الله
والتي قتلت أكثر من 17000 مواطن كوردي خلال عشر سنوات فقط من عمرها،
والتي تم فضح أمرها وارتباطها بأجهزة الأمن التركية وب "الدولة الواطئة
السرية" ، وأملنا في أن تخطو الحركة السياسية الكوردية خطوة حقيقة في
الاتجاه الصحيح لا أن تتهجم على المنظمات والأحزاب والشخصيات التي خرجت
إلى الساحة للتظاهر وللاندماج بالشعب وعلى من لا يريد ترك الشباب
وحدهم في ساحات النضال واعتبارهم مراهقين أو عديمي مسؤولية
الجديد في سوريا هو
النضال الشعبي الكبير بدءا من شمال البلاد وباتجاه العاصمة دمشق في
الجنوب لزحزحة النظام البعثوإرهابي ولبناء سوريا ديموقراطية موحدة تتسع
للجميع ويحظى فيها شعبنا الكوردي بحقوقه القومية والوطنية والإنسانية
وحدها الأدنى هو الحكم الذاتي لكوردستان سوريا الذي يصونه الدستور
وتحميه المؤسسات الديموقراطية