rojava@rojava.net

 
   

المرأة
إنسانة كاملة أم ظل باهت

rojava.net 09.11.2005

 
     
 


أورهان بيار

لا يسعنا تحليل وتقييم التاريخ عن طريق ما نملكه اليوم من وثائق فقط , فهي مكتوبة بيد الحكام وأصحاب القوة. ففي يومنا الراهن وبرغم ثورة المعلومات يختلف الناس حول تقييم الحوادث و المستجدات لدرجة التناقض والصراع . إن مالك القوة والمال والأعلام هو الأوفر حظاً في نشر وتعميم رأيه وتحليلاته .
في التاريخ وكلما عدنا للوراء تقل إمكانيات التوثيق , ففي عصور ما قبل الكتابة يتم الاعتماد على الآثار المتبقية ( عظام – أدوات – أماكن إقامة .... ) , وفي العصور التاريخية يتم الاعتماد على الوثائق المكتوبة , لكن وكما ذكرنا سابقاً كانت الكتابة والتوثيق بيد أصحاب السلطة والقوة أي الحكام وهذا يعني بأن ما وصل إلينا من كتابات هي آراء الأقلية من الناس أما رأي الأكثرية فلا نعرف عنه سوى ما قيل على لسان حكامهم و مستغليهم , يقول ويل ديورانت بهذا الخصوص : لو نطق الحجر لظهر بأن التاريخ مجرد أكذوبة .
في قضية المرأة يزداد الوضع سوئاً ويصل لدرجة المأساة الأكبر في تاريخ البشرية , فمعظم ما بقي لنا من كتابات ( أساطير ـ ديانات ـ فلسفة ) يؤكد على حقيقة واحدة ألا وهي : إن المرأة كائن ناقص ولا تشكل شيئاً بدون الرجل .
في الغالبية العظمى من الأساطير ـ التي تمثل المستوى الفكري للبشر في المرحلة العبودية ـ تكون المرأة ممثلة للظلام والفوضى مقابل الرجل ممثل النور والنظام , ففي إينوما إيليش ـ ملحمة الخلق البابلية ـ تظهر تعامة ـ الأم الكبرى لجميع الآلهة ـ بمظهر المستبد والراغب بالحرب والعدوان والرافض للنظام بينما يظهر مردوخ كمسالم ومُجبر على خوض الحرب بهدف إنقاذ العالم من الفوضى التي تعيثها تعامة , ومع موت تعامة بيد مردوخ يباشر مردوخ بخلق البشر لكي يعملوا على خدمة الآلهة . نفس الحكاية تتكرر في مختلف المناطق مع اختلاف في الأسماء وبعض التفاصيل الثانوية فقط . المرأة في الفكر الأسطوري لها شأن كبير في البدايات لكنها تفقد هذا الشأن لما تقترفه من أخطاء وتصرفات غير لائقة ـ بحسب الأسطورة الذكورية ـ ففي أحد أساطير اليونان القديمة والتي تتحدث عن قصة تسمية مدينة أثينة نجد بأن المرأة هي المذنبة وتستحق العقاب الذي تم تنفيذه بحقها وقبلته هي بدورها عن طيب خاطر , وملخص الأسطورة على الشكل التالي : يرى حاكم أثينة حلماً غريباً يظهر فيه تفجر نبع غزير في أرض أثينة وتنبت بجانب + الجبار نبتون أما الشجرة فهي ربة الحكمة أثينة وظهور هذين الرمزين معناه بأن الحاكم يجب أن يختار أحد أسمي الآلهة للمدينة , فيحتار الملك ويلجأ إلى الانتخابات فتفوز أثينة وتسمى المدينة باسمها وذلك بسبب العدد الزائد للنساء ضمن المدينة , فيغضب الجبار نبتون ويغمر المدينة بالمياه المالحة فيموت الزرع وتموت الحيوانات وتسوء الحياة , فيلجأ الملك إلى الكهنة لإيجاد حل عاجل فيردون عليه بأن نبتون له شروطه لإيقاف الكارثة وهي : تمنع المرأة من المشاركة في الانتخابات والحياة العامة وتلزم بيتها لتعمل على طاعة الرجل وتربية أولاده .... أما تهديدات رب البحار القوي يرضخ الملك وتخضع جميع نساء المدينة ويصبح مكانهن الدائم هو خدمة بيت الزوجية .
في الأديان التوحيدية تشهد مكانة المرأة تراجعاً كبيراً حتى بالمقارنة مع الفكر الأسطوري وقوانين الفترة العبودية , ففي التوراة تكون ملعونة من قبل يهوه لأنها أغوت آدم وجعلته يأكل التفاحة ( بالوجع تلدين أولادك وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك ). كما يتم محاربة الديانات السابقة وبشكل خاص الديانات التي تعترف بقدسية المرأة فيهوه يأمر قومه : تخربون جميع الأماكن حيث عبدت الأمم التي ترثونها آلهتها على الجبال الشامخة وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء وتهدمون مذابحهم وتكسرون أصنامهم وتحرقون سواريهم بالنار وتقطعون تماثيل آلهتهم وتمحون أسمهم من ذلك المكان . كما يظهر هذا التراجع الكبير للمرأة في دعاء اليهود : مبارك أنت أيها الرب الذي لم يخلقني امرأة .
تتدهور مكانة المرأة عند اليهود لتصل إلى الحضيض فهي مجرد خادمة وعبدة عند الرجل ولا حق لها سوى أداء الطاعة العمياء .
مع إن عيسى كان إنسانياً ولا يفرق بين النساء والرجال ويدعو إلى المساواة التامة , إلا إن القديس بولس الذي خلفه وحمل عبء نشر المسيحية في العالم لم يكن مختلفاً عن اليهود إلا بالاسم فهو يقول : أيها النساء أخضعن لرجالكن لأن الرجل هو رأس المرأة . أما القديس أوغسطين ـ الذي عاش في القرون الوسطى ـ فيقول : الرجل خلق على صورة الله ولذا فالمرأة ليست كاملة بدون رجل بينما هو كامل بحد ذاته . وحتى في عصر الإصلاح الديني المسيحي الذي ساهم في خلق أوربا الراهنة نجد قادة الإصلاح يكررون الأقوال الرجعية ذاتها بخصوص المرأة , فها هو المصلح مارتن لوثر يقول : من الطبيعي أن تكون النساء طبقة ثانوية للرجال . أما المصلح جون كالفن فيقول : المساواة بين الرجل والمرأة هو انحراف عن النظام الأصلي للطبيعة .
الإسلام الذي ساهم بتحسين وضع المرأة نسبياً ضمن القبائل العربية بأن منع وأد البنات وحدد عدد الزوجات وحسن معاملة المرأة المتزوجة , لم يحقق أي تطور بخصوص المرأة على الصعيد العالمي بل كان خطوة للوراء بالنسبة لما كان متحققا ًأصلاً عند الشعوب المجاورة كالفرس والروم والمصريين . الإسلام كباقي الأديان التوحيدية يعتبر شريعة ذكورية بامتياز فالله ذكر وحاشى أن يكون أنثى , فالأنثى قاصر بطبيعتها والحاكم يجب أن يكون ذكراً لأنه ظل الله على الأرض , فبما أن الله ذكر فلا يجوز أن يكون الظل إلا ذكراً , والمرأة أدنى من الرجل بطبيعتها فشهادة رجل تعادل شهادة امرأتين وميراث المرأة هو نصف ميراث الرجل , وجسد المرأة عورة بعكس جسد الرجل لذا فرض عليها الحجاب والمكوث في البيت وهي مأمورة بطاعة الرجل ( الأب ـ الزوج ) وهذه الطاعة هي أحد المقاييس الأساسية في حساب مقدار تدينها .. الإسلام ومن خلال القرآن يصادق على الحكاية ـ الأسطورة ـ التي وردت في التوراة بخصوص لعنة المرأة وخطأها الفادح الذي تسبب بسقوط آدم من الجنة إلى الأرض . كما ورد في القرآن : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم .. والتي تخافون نشوزهن فعظوهن و اهجروهن في المضاجع و اضربوهن .... من سورة النساء , أما الرسول محمد فيقول : عندما خلقت حواء أبتهج الشيطان .
الفلسفة التي تطورت في بلاد الإغريق لم تنصف المرأة ولم تتمكن من تجاوز الفكر الذكوري السائد فهذا أفلاطون صاحب الجمهورية الفاضلة ينكر على المرأة مساواتها الإنسانية مع الرجل ويقول : الأنثى هي أنثى بسبب نقص في الصفات , أما فيثاغورس فيقول : هناك مبدأ خير أنبثق من النظام والنور والرجل ومبدأ شر خلق الفوضى والظلمة والمرأة , والمعلم الأول أرسطو يدلو بدلوه في هذا المضمار ويقول : المرأة امرأة لنقص فيها وعليها التزام بيتها كتابعة .
الديمقراطية اليونانية الشهيرة جنت على النساء حيث حولت قوانين صولون البغاء مؤسسة رسمية لجني المال للدولة .
في القرون الوسطى لا يوجد شيء أسمه امرأة لأن الدين بشكله الرجعي تحكم بكامل المجتمعات في الشرق والغرب وتم سجن النساء في البيوت أو في القصور حيث تطورت ثقافة الحرملك والجواري في قصور بيزنطة وبغداد ودمشق واستنبول وباريس وفينا و..... حيث كان يتم معاقبة كل امرأة تتجرأ على الخروج على المألوف بالقتل والرجم والحرق بتهمة السحر والشعوذة بأسم الله والدين والأخلاق !!
في عصر النهضة الذي تطورت فيه نوازع الفردية و تفتحت فيه الشخصيات القوية " ليوناردو دافنشي ـ رفائيلو ـ ميكايل أنجلو " لم تسنح للنساء الفرصة كما سنحت للرجال ولم تظهر أية شخصية نسائية كمبدعة.
مع تصاعد البرجوازية ـ التي نادت بالحرية والعدالة والمساواة ـ بقيت الحرية سلبية ومجردة وكانت محدودة بالبحث عن اللذة , وقد تم استخدام المرأة في العمل بشكل مهين وبأجور زهيدة خدمة لرأس المال , فأوغست كونت يقول : لا يمكن للمرأة أن تصبح من زمرة المؤلفين شأنها في ذلك شأن العمال . وبلزاك يقول : إن مصير المرأة ومجدها الوحيد هو في دفع قلوب الرجال على أن تخفق لها . أما جان جاك روسو ـ نبي البرجوازية ـ يقول : المرأة والابنة ليستا في مستوى القدرة على المحاكمة اعتمادا على نفسيهما فلا بد من اللجوء إلى قرار أبيهما أو زوجهما .
مع ظهور الحركة العمالية أهتم روادها بتحقيق التطور في هذا المجال بأن حاولوا إجراء تحليل تاريخي شامل لقضية المرأة , وكانت مساهمة أنجلس كبيرة حيث كتب بحثه القيم " أصل العائلة والملكية الخاصة و الدولة " وهو يرى بأن تاريخ المرأة مرتبط بتاريخ التكنيك وبأن الملكية الفردية ونشوء العائلة الأبوية هي التي أدت إلى عبودية المرأة , أما ماركس فيربط حرية المرأة بالثورة الصناعية ويقول : " الثورة الصناعية ستعيد للمرأة حريتها السليبة ...... إن تطور وضع المرأة ممكن بمساهمتها في الإنتاج وتحررها من عبودية التناسل ........ تاريخ النساء من صنع الرجال وحتى عندما قدسوها كربة كان بسبب خوفهم من الطبيعة وما أن سمحت لهم الأدوات بتحدي الطبيعة حتى أوجدوا الأبوة " وبروتون يقول بهذا الخصوص : المرأة وحدها تستحق الإجلال لأنها تحمل راية السلم , أما ستاندال فيعتبر المرأة كالرجل من حيث المجاوزة وبالسمو في العلاقات المشتركة بين الرجل والمرأة تستكمل الحريات .
سوف أكتفي بهذا القدر من التوضيح للفترات القديمة من تاريخ البشر لأصل إلى السؤال التالي : هل تاريخ الفكر و الحضارة هو تاريخ الرجال فقط ؟ وما هو مقدار مشاركة المرأة الفعلية في صنع وتطوير هذا الفكر ؟
للوهلة الأولى سيكون الجواب بأنه فعلاً لا يظهر للمرأة أي مشاركة مباشرة في خلق وتطوير الفكر, فالكهنة مبدعي الأساطير كانوا رجالاً وكذلك الأنبياء والرسل أصحاب الديانات التوحيدية ومثلهم الفلاسفة وكذلك العلماء إلى وقت قريب وأيضا الساسة والعسكريين كلهم كانوا رجالاً , إذاً كانت المرأة ظلاً باهتاً وفي أحسن الأحوال مساعدة للرجل المبدع كما يقول المثل " وراء كل رجل عظيم امرأة " , لكن العلوم الحديثة بتقنياته المتطورة وبشكل خاص علم الآثار أثبتت بأن تاريخ البشرية موغل في القدم وليس كما كان متصوراً في القرون القريبة الماضية , وأن تاريخ البشرية حالة تطورية تدريجية وبأن كل مرحلة كانت ممهدة للمرحلة التي تليها وسبباً لظهورها , لذا لا يحق لنا اليوم استخلاص النتائج والأحكام استنادا لستة آلاف سنة تاركين ملايين السنين التي قضاها الإنسان على وجه الأرض .
يؤكد العلماء حقيقة قدم وجود الإنسان الذي يصل لملايين السنين ـ قبل مليون سنة تزداد كثافة السكان في منطقة شرق البحر المتوسط وجبال طوروس و زاغروس ـ كما يؤكدون وجود مرحلة سابقة لمرحلة العائلة الأبوية , ألا وهي مرحلة الأمومة حيث كانت للمرأة الدور الأساسي في تسيير حياة البشر في ذلك الوقت مما جعل الناس في تلك الفترة يعتقدون بألوهية الأنثى ليس بسبب ما تملكه من خصوصيات الخلق والخصوبة فقط كما يدعي بعض الباحثين الذكور المتحيزين لجنسهم والمتأثرين بالفكر الذكوري السائد منذ آلاف السنين و بعض رواد الحركة النسائية أيضاً كسيمون دي بفوار التي تقول : إن هذه الفترة الذهبية من تاريخ المرأة ليست سوى أسطورة , وتضيف : لو لم يكن في المرأة صفة الجنس الثانوي الآخر أصلاً لما كان في وسع اكتشاف البرونز أن يؤدي إلى استعباد المرأة , بل بسبب ما كانت تتمتع به من قدرات إبداعية في إدارة شؤون الجماعة وتأمين الطعام فهي وبحسب ما توصل إليه علم الآثار" راجع لغز عشتار للمؤلف فراس السواح " رمز لمختلف قوى الطبيعة ( آلهة الصيد ـ الزراعة ـ القمر ـ الزهرة ـ الشفاء ـ الغابة ـ النجوم ـ السماء ـ الماء ـ الحب والجمال ـ الخصوبة .... ) مارلين ستون تقول : اختصار سبب عبادة الأنثى في الخصوبة فقط هو إجحاف بحق هذه الديانة فهي خالقة وصيادة وقائدة وشافية ومبدعة ... وهذا الأمر يدحض وبشكل نهائي النظريات التي كانت ولا تزال تتحدث عن الرجل المبدع والذكي والمرأة التابعة والقاصرة . قد يكون للعوامل الفيزيولوجية تأثيراً على موقع كل من المرأة والرجل ضمن المجتمع وهذا ما تم بالفعل خلال التاريخ المكتوب ـ تاريخ ضياع المرأة ـ فمع اكتشاف معدن البرونز ـ الذي مهد لمشاركة الرجل في الزراعة ـ وإدراك الرجل لدوره في العملية الجنسية وبالتالي دوره في عملية الخلق والولادة أستخدم الرجل قدراته الجسدية في التحكم بالمرأة وجعلها مجرد تابع بعد أن كانت في مرتبة الآلهة, مرحلة الانتقال هذه ـ من عصر الأمومة إلى العصر الأبوي ـ استمرت فترة طويلة حيث لم تفقد المرأة مكانتها المرموقة طيلة الفترة السومرية , ويظهر هذا بشكل جلي في معظم الأساطير القديمة و السومرية منها خصوصاً فنينهورساغ ( آلهة الجبل ) التي كانت تحتل المرتبة الأولى تسقط إلى المرتبة الثانية بدون أن تفقد القدسية والاحترام , خلال هذه الفترة يكون الرجل ممثلاً بالإله الماكر أنكي الذي يستند إلى الحيلة والذكاء في إدارة الصراع على السلطة , إلى أن يأتي مردوخ الذي يحتكر جميع القوى ويتحكم بمجمع الآلهة بالكامل وهذه الحادثة تترافق مع التطور الإمبريالي الذي صاحب احتلال صارغون الأكادي لبلاد سومر و الرافدين .
هل وجود أو عدم وجود هكذا مرحلة في تاريخ البشرية يغير في جوهر القضية شيئاً ؟ الجواب عند الكثير من الباحثين وبشكل خاص المتأثرين بالثقافة الذكورية السائدة هو إنكار وجودها أو التقليل من أهمية ومعاني وجود هكذا مرحلة يقول البروفيسور ف . أولبريت : إن عبادة الأنثى ذات طبيعة معربدة ومثيولوجية الفسق والعري الشهواني , وهذا مناقض للواقع تماماً فوجود هذه المرحلة حقيقة تم تأكيدها بالدلائل القاطعة وهو يظهر ما تملكه المرأة من قدرات إبداعية طبعت آلاف السنين بطابعها , ولا تزال البشرية تعيش على نتاج تلك المرحلة حتى يومنا الراهن . المراحل التالية والتي تميزت بقمع الفرد لخدمة المجتمع وبقمع الطبقات لخدمة طبقة سيدة قمعت جنساً لخدمة جنس آخر حققت انتصار الإنسان ـ بشكل عام ـ على الطبيعة بشكل تدريجي لكن هذا الانتصار ترافق مع مآسي وآلام لا توصف عانى منها القسم الأكبر من البشر ( نساء ـ عبيد ـ فلاحين ـ عمال ـ شعوب مستعبدة ) , ويبقى السؤال المحير : هل كان ضرورياً المرور بجميع هذه المآسي لتحقيق التطور في حياة البشر ؟
حاولت فيما سبق إلقاء الضوء ولو بشكل مبسط على بعض المراحل التاريخية كتمهيد لطرح القضية المصيرية لجميع البشر بلا استثناء .

الذكر والأنثى هما كفتا الميزان لحياتنا وعدم التوازن يعني اللاحياة للاثنين معاً , فلا يمكن أن يسعد الرجل ويتمتع بالحرية ما دامت المرأة مستعبدة وجاهلة ومتخلفة ومكبوتة . لكن التاريخ المكتوب يظهر مدى الخلل الفظيع الذي تشهده علاقة الجنسين وبرغم ذلك تدعي غالبية المدارس الفكرية ( دينية ـ فلسفية ـ علمية ) عدم وجود مثل هذا الخلل وبأن الطبيعة هي التي خلقت المرأة ضعيفة قاصرة تابعة مهمتها في الحياة هي العناية بالرجل وأولاده وبيته , لكي يتمكن هو من الإبداع والخلق والتطوير والإنتاج خارج البيت . هذه المدارس في معرض دفاعها عن آرائها تشير إلى الفوارق البيولوجية والاجتماعية الموجودة لتبرير الاستبداد المطبق بحق المرأة , فإلى أية درجة يمكننا قبول هذه الحجج ؟
لقد كانت العبودية شيئاً طبيعياً ومبرراً ومصدقاً عليه من قبل الكتب السماوية والأرضية حتى وقت ليس بالبعيد جداً وكان لأصحاب العبيد وحماتهم من الكهنة والمفكرين حججهم التي تبرر استعباد الإنسان لأخيه الإنسان , واليوم بعد أن صادق البشر جميعاً على تحريم العبودية ـ نتيجة لنضال البشرية الدائم في سبيل الحرية ـ تظهر لنا يومً بعد آخر مدى سخافة تلك الحجج المبررة لوجود العبيد لخدمة الأسياد . وهذا الأمر ككثير من الأمور الأخرى يظهر بأن وجود الحالة في زمن معين لا يبرر استمرارها حتى الأبد في حال أثبت العلم سلبية تلك الحالة .
المرأة منذ نشوء الدولة وحتى يومنا الراهن تحيا مأساة لا يمكن مقارنتها بأية مأساة أخرى , ولم تستطع الثورة البرجوازية وعلمانية الغرب وديمقراطيته تحقيق المساواة المنشودة ولا تزال الانتقادات تنصب على التجربة الغربية وقصورها في إيجاد الحلول العادلة لقضايا المرأة , نعم لقد حرر الغرب المرأة وأخرجها من البيت إلى السوق , إلا أن ظروف الاقتصاد البرجوازي الهادفة للحصول على الربح الأعظمي تستهلكها بأشكال بشعة وبشكل خاص من الناحية الجنسية حيث تستخدم وبشكل واسع في الدعاية والإعلان وتسويق البضائع , الغرب الذي يفتح المجال للمرأة في بعض المجالات يصعب عليها ولوج المجالات الرئيسية في الحياة كالسياسة والحكم والاقتصاد والعلم ولا يزال الفكر الغربي ذكوري في التعامل مع المرأة .
أما في البلدان المتخلفة فالوضع أسوء بكثير فلا تزال مخلفات القرون الوسطى الظلامية ـ العادات والتقاليد ـ هي المتحكمة بالمجتمع بكامل تفاصيله ولا تزال الأنثى ملعونة أما الذكورة فمحمية من الدين والدولة والأعراف . تقول مارلين ستون بهذا الصدد : ماذا نتوقع من مجتمع يعلم أفراده منذ القدم إن الله ذكر وجعل الرجل على صورته أما المرأة فخلقها من ضلع الرجل ولأجله , والمرأة خلقت لسقوط البشرية .
كما تقول سيمون دي بوفوار : إن المعطيات الفيزيولوجية تكتسب القيم التي يضفيها الكائن عليها , فإذا حال الاحترام تجاه المرأة دون استعمال الشدة ضدها فإن أفضلية الرجال العضلية تفقد سلطتها .
وهذان المثلان يظهران بأن المشكلة لا تكمن في جنس المرأة بالذات بل بالتربية والتعليم الذين يتلقاها البشر هذه التربية التي تعتبر ذكورية بامتياز خاصة في البلاد المتخلفة , فمنذ الطفولة تؤدي الفرق الهائل في المعاملة بين الطفل والطفلة إلى شعور الطفلة بالدونية وكره الذات على عكس الطفل الذي يعامل بأفضل شكل ممكن للعائلة ويتم تحضيره للتعامل مع العالم الخارجي بعكس الطفلة التي غالباً ما تستقبل بوجوه كئيبة منذ يوم ولادتها وقد أظهر الإحصائيات بأن جميع الصبيان لا يرغبون أن يكونوا فتيات بعكس 75 0/0 من الفتيات الاتي يرغبن بأن يكن صبياناً .

أوجه معاناة المرأة
أولاً : استعبادها بأسم التربية :

الأنوثة تعتبر وضاعة ودناءة فإذا شبهت رجلاً بالمرأة سينزعج وقد يصل به الأمر لحد أهانتك وضربك , أما إذا شبهت امرأة بأنها كالرجال فستحس بالفخر وتعتبر ذلك مديحاً . هذه الصفات الملازمة للذكورة والأنوثة مترسخة في الفكر البشري بمجمله ويتم تمريرها إلى ذهن الطفل على جرعات عن طريق العائلة والمحيط والمدرسة والدين و.... الخ , تقول سيمون دي بوفوار : في الحقيقة لا توجد اختلافات بين الطفل والطفلة , لكن المحيط هو الذي يظهر الفوارق ويفضل جنساً على آخر .
نمط التربية ضمن العائلة الذكورية هي السبب الأساسي في تحول المرأة إلى مجرد عبد للذكر ـ أيً كان هذا الذكر ـ فالمرأة تتقبل منذ نعومة الأظافر بأنها جنسً آخر غير جنس الرجال وبأنها أقل قيمة وغير مرغوب بها وبأنها مشكلة وعورة وغنيمة قابلة للافتراس ويجب حمايتها ـ فهي قاصر ـ وعلى العكس يكون الطفل الذكر مرغوباً به تفتح له الطرق ليكون صاحب كلمة وقرار لنفسه وعلى المرأة ضمن العائلة
ثانيا: حرية الاختيار:

إن الأسلوب المتبع في البيت والمدرسة بالإضافة إلى المتغيرات الفيزيولوجية في فترة المراهقة يفقد المرأة ثقتها بنفسها فتلازمها الانهزامية وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه مستقبلها وحياتها , وهكذا لا تحمل نفسها أكثر من طاقتها ما دام مصيرها معلقاً بمصير رجل آخر , وبذلك هي مستعدة للتخلي عن الدراسة والهوايات والأصدقاء في سبيل الحصول على زوج ـ الطريق الوحيد للاستمرار في العيش بكرامة ـ فغير المتزوجة تتحول إلى عانس ـ بالتعبير المتعارف اجتماعيا ـ أي عالة غير مرغوب بها . الى جانب ميل المرأة لتأكيد نفسها كشخص , هناك ميل للهروب من الحرية وتحويل نفسها لغرض أو لمتاع , وهذا الجانب الهارب من الحرية هو الذي ينتصر غالباً بضغط من المحيط المعادي لكل أشكال حرية المرأة . تقول سيمون دي بوفوار : لكي تصبح الفتاة سعيدة يجب عليها أن تحظى بحب الرجال ولكي تكون محبوبة يجب عليها أن تكرس وقتها لانتظار الحبيب الموعود وأمير الأحلام . إنها تتمنى الحصول على الرجل وبنفس الوقت تخشى أن تصبح فريسته .
الحصول على زوج يتحول إلى أهم موضوع بالنسبة للفتاة لذا تتحول الفتيات الأخريات إلى منافسات وتفقد صديقة القلب مكانتها الممتازة وهذا يجعل من الفتاة ضيقة الأفق وأنانية وغريبة الطباع ومنعزلة ومليئة بالحسد . فالرجل يبحث في الزواج عن تأكيد وجوده أما الفتاة فتبحث فيه عن الوجود نفسه فبدونه ستكون عانساً منبوذة وعالة . المجتمع لم يبقي للمرأة أي مجال للاختيار إنها مجبرة على انتظار الرجل الذي سيأخذها من بيت والدها إلى بيته لتخدمه إلى نهاية العمر .
ثالثاً ـ الحالة الاقتصادية :

لا تشارك المرأة في إدارة الاقتصاد مع إنها تبذل جهداً أكبر بكثير من الجهد الذي يبذله الرجل , ففي الريف يكون عبء العمل بكامله على المرأة , فهي تهتم بالحيوانات وتساعد في أمور الزراعة ـ الزرع والحصاد ـ بالإضافة لالتزاماتها المعروفة ضمن البيت من طبخ وغسل وخَبز وتربية أولاد , ولا يختلف الأمر كثيراً في المدينة في يومنا الراهن , حيث تضطر المرأة إلى العمل لجني المال ـ داخل أو خارج المنزل ـ بسبب الظروف المعيشية الصعبة وكثرة متطلبات الحياة , وهكذا يزداد الوضع سوءً فأعمال البيت وحدها كفيلة بقصم ظهر أقوى البشر فما بالك بالمرأة التي لا تتوقف عن بذل الجهد طوال اليوم . فيما مضى كانت الأعراف و التعاليم الدينية تقف حجر عثرة أمام عمل المرأة في المدينة ـ ولا يزال لها تأثير ـ لكن صعوبة الظروف الحياتية والفقر أجبر الرجل على التنازل عن معتقداته وفتح المجال للمرأة لتساعده في تأمين لقمة العيش , ومعروف للجميع بأن الشاب في يومنا يبحث عن الفتاة القادرة على مساعدته في تأمين مستلزمات الحياة المادية . وهذا شيء إيجابي بشكل عام لكنه يزيد متاعب المرأة فهي تبدي التضحية وتساعد الرجل لتأمين المال أما هو فيبقى على حاله وغطرسته ويأبى مساعدتها في أعمال البيت .
بالإضافة للتعب والإرهاق الذي يصيب المرأة من جراء العمل الخارجي فهي تتعرض لمختلف أنواع المضايقات فالرجال لا يرحمونها أبداً , فمن جهة تكون أجور النساء أقل بكثير من أجور الرجل ـ ممرضة تداوم صباحاً ومساءً راتبها الشهري 2000 ليرة ـ ومن جهة أخرى تتعرض لإهانات شتى فأصحاب العمل من عديمي الشرف والأخلاق يستغلون حاجتها للعمل ويفرضون عليها رغباتهم الحيوانية ـ في مصر وحسب إحصاءات رسمية غالبية الموظفات في المكاتب الخاصة أجبرن على إقامة علاقة مع صاحب المكتب تحت تهديد الطرد من العمل ـ
ر&