Hevgirtin   Kurdi عربيEnglishSwedish Deutsch

 
 

    rojava@rojava.net

 
   

امرأة من التيه والنرجس

 . 09.08.2005_ rojava.net

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  هوشنك أوسي

 

لأن البدايةَ والنهايةَ أُنثى, أكتبُ الآن وغداً  لكِ .

إلى هيفيدار علي

 

 

ربما تشعرين بالملل، أثناء قراءتكِ لهذا النّص. فأنصحكِ_ لوجه الله _أن تضعي علبةَ سجائركِ إلى جِواركِ, وكوبَ ماءٍ أمامكِ.

 

غداةَ  إشعالي زوابعَ الكلام في حواري عامودا والدرباسية، وبُعيدَ أن عاثتْ حنجرتي طنيناً في آذان الصلصال الكليم، الفهيم، النديم, استقليتُ حافلةً ناءت بحملِ فوضى كلاميَّ المُمِل إلى عاصمة الأخضر المقدس, تاركاً هناك شيئاً منّي ينوح، ينضاف إلى عويل المكان والعيد الخاشعَين المتصدعَين من رقصةِ دميَّ المراق أعراساً في جنوب الربيع المختال بسماءهِ.

كانتِ الحافلة تتململ، وتعِنُّ، وتئنُّ تحتَ وطأةِ مجهولها الممتدِّ مداً سندسيَّاً من الطين والعشب الطازج. والدرب يرتخي رويداً كرقطاءٍ تخلعُ جلدها.

 ظهيرة اليوم الثاني من مكوثي هناك, التقيت ببعض صديقاتي. استحضرتُ معهنَّ ذكرياتي التي تسكنني كعاصفةٍ من الألوان والأساطير والأحلام والألغاز الكرمانجية اللذيذة.

لقد كنَّ هادئاتٍٍ يتأملنني بأرواحٍ مهشمةٍ، حزينةٍ، مترعةٍ بالندمِ والضجر والخواء. يعتصرها فراغٌ وحشي الملامح. يتأملنني بأفكارٍ ضامرةٍ أودى بها التصحُُّر, وأعينٍ حائرةٍ تبكي ولا تبكي.

أثناء الحديث؛ مارست معهن طقوسَ شغبي التي اعتدنَ عليها سابقا منِّي. لكنِّي، لم أستطع بثَّ الروحَ في الأجواءِ، كي تعودَ كسابق عهدها. مترعةً بالشغب والضجيج الهوشنكي، المليء بالخرافة والأسئلة الزرقاء.

فسألتُ المساءَ الذي قادني إلى حيثُ أقيم: ما الذي تغير؟. أنا، أنا، وهنَّ، هن؟!!

 إذاً، هل تواطأ المكانُ والزمانُ على وأدِ انبعاثِ اللحظةِ الغافيةِ تحتَ ظلالِ العطورِ الكرمانجية التي بثَّها في أثير الكلام المشاكسِ الطائش, عُمرُنا المترهلُ قبل أوانهِ, في يومٍ اختزل تأريخ النسائم الآتية شفقاً من غدنا, الآوية غسقاً إلى أمسنا؟.

 

كان الصمتُ المكتظُ بعلاماتِ الاستفهام والتعجبِ والترقيمِ سيدَ الموقف. في حين تنحَّت فيهِ المفرداتُ البيضاء جانباً, متيحة للصخبِ اصطيادَ المعنى على حدِّ اللقاءِ المتأخر.

إحداهنَّ التقيتها عقبَ مرور ثلاث سنين. تصافحنا, ولم نكتفِ بذلك.

تبادلنا القبلات على الوجنات, و لم نكتفِ بذلك.

 بحرٌ قلقٌ جامحٌ من الغموض دفعني لعناقها, لكن ثالثنا كان صنماً أنثويّاً رادعاً حَالَ دون ذلك.

على الرغم من أنها اجتازت العقد الثالث من قامتها الزمنيَّة, لكنها بدت لي أجمل مما كانت عليه سابقاً.

طفلةٌ مراهقةٌ تتكوّر كُنوزها العاجيَّة المخضَّلة بالبراءة  والرنين توّاً.

تنسابُ بين لجَّة فراغاتِ المنزلِ كسمكةِ زينة, مُثيرةً الخامدَ فيَّ، والراكدَ فيها.

 أصرّت على نسجِ الافتعالات بإحكامٍ يرتدي قفطانَ أميراتِ النرجسِ الخجول.

افتعالاتٌ تنضحُ  باللامبالاة الممعنةِ في الإنصات والتأمُّل الغارق في الشرود. بينما صمتها الأخضر القادح شرراً بريئاً, بالغ إفصاحاً عمَّا يؤرِّق روحها الموغلة في التيه الكرمانجي.

لمن تشكو سليلة الزيتون هذه, كآبة جسدها الطفولي الطاعن في الهزائم ؟؟!

لمن توصي ببقايا كنوز عذريتها المتروكةِ برسمِ الريحِ والليل ؟؟!

لمن ستروي أقاصيصَ التفاحِ والتينِ والزبيب, وقد ساقَ الخريف ركامًا كل مساءاتِ الصيفِ والشتاء إلى شِركِ الأسود الدامي, بعد أن نَحَرَ مساءاتهُ بنصلِ العاصفةِ الرماديَّة ذاتها, التي أباحت سبيها, سحابةً سحابة ؟؟!  

أبقي لسليلة الزيتون من الشجر، لتدفن تحت جذعها خِرَقَ حيضها، الذي فارقها مُذ جافاها المطر ؟؟!

الكلامُ المنسابُ حزناً من هديلِ ابتساماتها, أكَّد للمساء، مدى البلاغةِ العنيدة التي تظللُ صوتها الزجاجي المعشّق برائحةِ القهوة والبرتقال.

أظنها، الآن، قد ألقت جانبًا ديوان شِعريَ، الذي أهديتها إياهُ. ورمت بكلكلِ همِّها العفرينيِّ المنذور قرابيناً للفراغ، ولترهاتِ الدّم المغبر.

سليلةُ الزيتون، الحائرةُ بأمرِ أعراسِ الجسد والروح المحترقةِ انتظاراً, أقسمت برفاتِ الربيعِ القتيلِ رمياً بالوهم والبَرَد, أن تبقى رهينةَ الريحِ والليل. ريثما يَشي الحَجَلُ والخزامى بكل أسرارِ آلهةِ الثلج والوحل والصخر, للعابرين تحتَ أقواسِ السراب. عائدين إلى ذواتهم المتكسِّرة.

أوصدت صمتها على آخرهِ, تاركة للحِبر التكفُّلَ بأحوالِ الوردِ والمطر.

أوصدت صمتها على وصايا الماءِ والنار, قائلة :

 لأتركنَّ اغتيالَ غدي للهواء, وذرَِّ رمادَ يقيني لزفراتِ التراب.

لأمضينَّ عاريةً من الأمِس والكلام الخرافة, إلى محافل الجنون الأحمر, داخلة قطرةً.. قطرة في أتون الطيش, خارجة همسة.. همسة من ثنايا أنوثتي المنسيَّة.

ألا يا  ثرى النعناع والبنفسج...

  خيولكَ الريح،  وآفاقكَ الدمعُ والكريستالُ وريشُ الفاجعة.

 لأرفعنَّ أبراجَ النواحِ لمناديلكَ, ولأنكسنَّ راياتِ التأليهِ للأوثانِ الآدميةِ على النُصُبِ التذكارية  للدّم الكرمانجيِّ الهوليريِّ المهباديِّ الآمديِّ العفرينيِّ إلى الأبد.

لأنسجنَّ من أحلامِ أبطالِ الجليدِ وشاحاً للقمر, علَّهُ يأتيني ولو بشذرٍ من حلبجةَ الشِعرِ, يحملني إليَّ, كي أراني  أجوب سماءَ هولير, نجمة.. نجمة,  دمعةً.. دمعة.

لأُدوننَّ في دفاتري_ دفاتر التيه والنرجس_ اعترافاتَ اللونِ الأخيرة, بتورط الغيب في حياكةِ نهايةٍ متبصِّرةٍ متأخِّرةٍ لبداياتٍ عمياء.

آبارُ اليقظةِ تفيضني  طلاسماً مرصودةً بحكاياتِ النحل والعاصفة.

لبراعمي كل الحق أن تبكيني.

 لكن، ليس للنجمِ كل ألقهِ.

 فنصفهُ للَّيل. وثلثهُ للصمت. وعُشرُهُ للعين.

لا العيدُ يكفي بكائي عليَّ, و لا هزائمي.

 

لا السحابُ لهُ أن يدركَ باصرتي في قراءةِ النار والأنين. ولا الخرابُ يفيني أن أكون عروساً للريح.

من لهُ أن يضمِّدَ عويلي، ويهدهدَ خياليَّ المائجَ المضمَّخَ بروائحِ الخمِر والجمِر, القمحِ والملح, البنفسج  والعوسج  والبارود ؟!!

لو خولني دمي في اقتفاء آثار أمسيَّ ...

 لكان النومُ والخرافةُ سيَّان. اليقينُ والماءُ سيَّان. الترابُ والخبز سيَّان. الذهاب والإيابُ سيَّان. الدربُ, القبرُ, الحِبرُ, الدمعُ, التيهُ, اللقاءُ, الوداعُ سواءٌ  سواء .!!؟

فيا قارئي .....

خرائبي وخرائبكَ، أعشاشُ الصقيعِ والغناء الأخضر. فمن يرثينا في صلواتهِ الخريفيةِ، غير الريحِ والليل؟!.

أهذهِ الجبالُ، جبالُ الدّم, أوتاد الأبد, تلاميذَ معركتي, عناويني, أم شهداءٌ عَلى ما اقترفناهُ بحقِ أنفسنا, نحن يتامى الغيمِ والحجر؟!.

سأتركُ المشهدَ المنهارَ جسداً.. جسداً, نهرا..ً نهراً على حالهِ. وأختم الفجرَ بكفَّيَّ المحنَّاةِ بطلعِ الزيتون ونحيب أنوثتي قائلةً :

 أيها المبحرُ فيَّ جرحاً سرمديَّاً وعشقاً مهشَّماً, سائل هاتيك الجبالَ المنكَّسةَ عليَّ عني.

 أنا ابنةُ الطوبى والترانيم الزنبقيَّة. عشيقةُ البرقِ والأرضِ والريحِ و الليل معاً.

 ربَّةُ الحزن الكرمانجيِّ، وحفيدةُ حواكيرِ الكرمِ والزيتون.

 آخرُ الشموسِ المنفيَّةِ للموت. وأولى الأشجارِ العائدةِ من الحريق.

كُؤوسي, كُؤوس نَيسَانَ  الرمادِ، والغبارُ المعتَّقَين في جِرارِ المساء.

وسيرَتي, سيرةُ الحرفِ المتشظي في وحدانيةِ صوتهِ الممسودِ بنبؤة آذار المشكوكِ في أمرهِ.

أنا الفصولُ المذهَّبةُ بآياتِ القرنفلِ الدامي.

 سيدة الكلام  والأوهام والسواقي الليلكيَّة.

 ألم تعرفني بعد ؟؟؟!!

 

انتهى اللقاءُ، و لم ينتهِ بعد .!؟

افترقنا كعصفورين, يشدُّنا الغروبُ إليهِ بدداً.

 من ثم أقلَّتني سيارةُ أجرة إلى حيث أمسي. كانت إذاعةُ السيارةِ مفتوحةٌ على محطةٍ تبثُّ بصوت نزار قبّاني قصيدةَ "قارئة الفنجان", ثم بدأ عبد الحليم حافظ غناءها.

أحسستُ أنني أسمع هذه القصيدة للمرة الأولى.

 ودِدتُ العودة  إليها, لكن ...؟؟!

فاختلط صوت القبَّاني بصوتِ عبد الحليم, بصوتها, بصوتِ سيدة الأزرق, بالموسيقى, بكل أصوات أصدقائي, بكل الذكريات البيروتيَّة, بالبحر, بالشِعر.

   

 دمشق : 10/2/2004

 

 

 

 
 

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 
 

HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE

 
 

حقوق الأنسان


لوحة الكتابة بالعربية


الأرشيف

التحرير

مواقع لكسرالحجب

موقع الطفل الكردي