بقلم : عاصم .م . أ
إن شر ما ابتلي به الشعب الكردي عبر تاريخه الطويل والمرير هو
انطفاء شمسه0 وسقوطه ضحية لاتفاقيات دولية ذات مصالح سياسية
واقتصادية على مر القرون وآخرها اتفاقية /سايكس بيكو/الأشد نكسة
والأكثر إيلاما ًًًً،والتي تمخضت عنها تجزئة ارض كردستان الى اربعة
اجزاء ،مشرذمة الاطراف منقسمة بين دول متباينة في اللغات والانماط
والغايات ،ومتفقة في السياسات ،كونهم وجدوا انفسهم الابناء
الشرعيين لتلك الاتفاقية المشؤومة 0وهذه الدول هي [تركيا،ايران،العراق،سوريا]وقد
اتبعت حكومات هذه الدول عشرات المخططات والفلسفات الخادعة ،فمنها
ما هو د يني ،ومنها ماهو سياسي ،في سبيل طمس القضية الكردية
سياسياوتاريخيا ،والقضاء على لغتها ودمج الكرد وانصارهم في بوتقات
قومياتهم0وقداستخدموا في تحقيق هذه المخططات جميع مؤسساتهم [الد
ينية بامتياز ،والتنفيذية والتعليمية والتشريعية 000الخ] اضافة الى
ذلك فانهم استغلوا الظروف الدولية بوجه عام ،والحرب الباردة بين
المعسكرين الاشتراكي والراسمالي بوجه خاص ،وانتهجوا سياسات
لايقبلها المنطق ولا الوجدان الانساني ،في القرن الواحد والعشرين
بحق ابناء هذه القومية [الكردية ]،ومن باب التذ كير فمنها الابادة
الجماعية وكذلك المقابر الجماعية ،واستخدام الاسلحة البيولوجية
المحرمة دوليا وسياسة الارض المحروقة [قتل النبات والحيوان وحرق
القرى باكملها]0
بهد ف تغييرديموغرافية كردستان ،ومنها تغيير أسماء القرى ،وسحب
الجنسيات من الأكراد ،لحرمانهم من الحقوق المدنية ،والاعتقال
التعسفي والتعذيب الجسدي والحكم بالسجن لسنوات طويلة ،وآخرها في
هذا العقد [الاغتيال السياسي الد يني000] ونتيجة التقارب الشديد
بين سياسة حكومات هذه الدول ،نراهم يتبادلون الزيارات ويعقدون
الاجتماعات حسب تغير الظروف،وماتقضيه مصالحهم السياسية ،ومشاريعهم
الشوفينية .
الا ان معظم هذه المشاريع والسياسات الاقتصادية تصب في خانة
سلطاتهم الاوليجاركية التي تعيش حياة البذخ والترف على حساب
مواطنيهم الفقراء الذين لعنهم الاله لأنهم ابناء آدم 0رغم كل ذلك
ظل الشعب الكردي بأطيافه كافة يناضل ويحتج ضد تلك الممارسات
والسياسات،ولم يقف رجالات الكرد /الدينيون،والسياسيون،والمفكرون/مكتوفي
الايادي إذ حاولوا مرارا كسر القيود والسلاسل المقيدة ،والمفروضة
عليهم بالقوة ،فقد أطلقوا صيحات الرفض والاحتجاج ضد كل مشروع عنصري
،يمارس بحق الكرد،وضد كل نهج لايعترف بهم كشعب لهم حقوقهم القومية
المشروعة ،وهويتهم الخاصة بهم ، التي تميزهم عن غيرهم ،والعيش فوق
تراب وطنهم ،ارض آبائهم وأجدادهم 0والثورات والانتفاضات التي ظهرت
في القرن الماضي أكبر شاهد على ما ذكرناه . ولكن وبالرغم من حدوث
شبه استقرار نسبي في بداية العقد المنصرم وظهورمتغيرات على الساحة
الدولية ،وظهور القطب الواحد في العالم /أمريكا/ وانتشار ظاهرة
العولمة أكثر فأكثر وما رافقها بعد ذلك من أحداث [11من
أيلول]،وانتشار ظاهرة الارهاب في بقع عديدة من العالم ،وحرب الخليج
الثانية وآخرها حرب الولايات المتحدة على العراق وإسقاط نظامه
الدكتاتوري000000الخ فإن الحركات الكردية السياسية كان عليها أن
تراقب هذه المتغيرات ،وأن تستغل هذه الظروف الدولية ،وأن تطرح
قضيتها على أكثر من نطاق ،وعلى أكثر من محفل دولي بشكل سلمي وعلمي
،وتستغل كل وثيقة تاريخية لصالحها ،وتكسب الرأي العام العالمي في
صفها ،وهذا ماحدث في الحقيقة بالرغم من سلبيات الحركة الكردية في
بعض الأحيان 0 وما نشاهده اليوم في العراق من متغيرات ،بعد سقوط
نظامه ،وتبوء الأكراد منصب رئيس الجمهورية ،ومناصب وزارية
والأعتراف بالكرد كشعب وشركاء للعرب في عراق فيدرالي0000000الخ ما
هو إلا نتاج لنضال وكفاح سياسي جماهيري قادتها حركات كردية سياسية0
والواقع أننا لا نستطيع أن نلم بكل جوانب تلك التطورات والمتغيرات
صراحة لكن لابد لنا من الإعتراف بوجود سلبيات للحركة السياسية
الكردية أيضاً ،وظهور تيارات سياسية متعارضة ومتصدعة في أغلب
الأحيان ،وكذلك التناقض في السياسات على مستوى الحركة والدخول في
حروب كلامية وإعلامية 00000،وظهور قيادات كردية فردية متناحرة،
غاياتهم مصالح فردية وعائلية ،وكذلك دور الحكومات في استغلال
الفراغ بين الجماهير والحركة 0وخاصة بعد فقدان المصداقية بين
الشارع الكردي وحركتهم السياسية 0كل ذلك أدى إلى تشرذم الحركة ،وابتعاد
المثقف الكردي عنها بالدرجة الأولى 0وحتى عن الشارع نفسه0 وتأتي
سلبية المثقف الكردي كنتيجة انعكاس لتلك السلبيات السابقة الذكر ،وكنتيجة
لتراكمات ظروف محبطة تمر بها المنطقة ،وبسب الأخطاء السياسية ،وبعض
المحاولات الفاشلة- بسب عدم الخبرة في معرفة كيفية التعامل مع
المتغيرات- والسياسات التي تنتهجها بعض الحركات الكردية في مواجهة
الحكومات التي تحكمهم بوجه عام ،والنزاعات والصراعات الداخلية بين
اطراف الحركات الكردية أنفسهم بوجه خاص {الحركات السياسيةالكردية
في سوريا مثلاُ}0 إذأخذ المثقف الكردي من مجمل هذه الحركات الموقف
العدمي السلبي في أكثر الأحيان ،ووصل هذا الموقف إلى درجة الهجوم
كلاميا وهجائيا في أحيان أخرى0 وكان لا بد لهذا المثقف الكردي أن
يتخذ أحدالأمرين باعتباره مثقفا ،وصاحب مسؤولية ،فإما أن يتقوقع
على ذاته ويبتعد عن الحركة والشارع ،وإما أن يستخدم كامل عبقريته
في رسم صورة مشوهة ومريضة للحركة السياسية في الشارع الكردي 0
والواقع أن ان هذه السلبية كانت لها مظاهر وخيمة على الشارع الكردي
0ومما لا شك فيه أنها كانت أحد ألاسباب المساعدة في ابتعاد المواطن
الكردي عن حركته السياسية المشروعة ،والتخلي عن حقوقه وواجباته
القومية 0 وربما كانت هذه السلبية هي إحدى العوامل التي ساعدت في
تشرذم الحركة السياسية الكردية أكثر فأكثر ،وفقدان المصداقية بينها
وبين جماهيرها ،وشعورها بالإحباط من هذه الحركة بالرغم مما يعانيه
الكرد من اضطهاد وغبن وتعسف من قبل الأجهزة الأمنية من جهة وما
يعانيه من تخلف اقتصادي واجتماعي وثقافي من جهة أخرى 0
ولتوضيح ما مر ذكره بشكل علمي يمكن القول :إن تلك السلبية كانت
نتيجة الفهم الخاطىء للمثقف الكردي للتاريخ ،وجاءت قراءته لتاريخ
الحركة الكردية قراءة تعسفية قسرية بمعنى {يجب أن يكون}دون فهم
صيرورة التاريخ ،ودون التمثل للحركة الكردية كظاهرة وحركة تاريخية
،لها منطقها وقانونها ،وظروفها الخارجية والداخلية ،كما أنه ـ أي
المثقف ـ لم يستخدم المنهج التاريخي في أغلب الأحيان لفهم الحوادث
والظروف التي تمر بها حركته الكردية والظروف الواقعية الاجتماعية
الداخلية التي تفرز مثل هذه الحركة ،بمعنى آخر ،إن الحركة السياسية
الكردية هي ظاهرة تاريخية ويجب الاعتراف بها كواقع {لأن من معالم
العقلنة الاعتراف بالواقع كما هو كائن}ولا بد من التفكيربمنطقها
الخاص بها ،دون بقية الحركات العالمية الأخرى ،لأن ظروفها مختلفة ،كما
أن التاريخ يخبرنا أن الظاهرة التاريخية لا تتكرر0 ومن أصعب
المعضلات التي تعمق هذه السلبية هي أن المثقف الكردي يرى حركته
السياسية متشرذمة عقيمة ،سياساتها ومناهجها وبرامجها متشابهة
بامتيازوتقليدية قديمة ولا تواكب العصر أحيانا ،وأحياناأخرى
برامجها السياسية لاتعبر عن روح القومية الكردية ،ولاتعبرعن الشارع
ا لكردي ومفرطة ايديولوجيا ،وهي طفيلية تتغذى على بعضهاالبعض
بالحروب الإعلامية والكلامية ،وتوجه لبعضها الإتهامات ،ولكي يكون
معترفا بها ،نراها تلجأإلى تشكيل تحالفات وجبهات لتحفظ ماء وجهها ،ولتضمن
وجودها أمام الشارع الكردي 0كما أنه ـ وهذا ما هو شائع بامتياز ـ
يختزل الحركة الكردية السياسية من القاعدة إلى القيادة بشخص واحد 0
والواقع قد يكون هذا المثقف على صواب في بعض الأحيان ،لكن تقزيم
الحركة إلى درجة الإستهانة بوجودها ومعاقبتها بهذه السلبية وعدم
إعطائها أي قيمة واقعية وسياسية فعلية وبعد تاريخي والوصول إلى
نظرة عامة وكلية عبربعض الجزئيات المشخصة لأخطاء بعض رجالات
السياسة الكرد وهي حالات نادرة وشاذة 0 فهو في اعتقادنا ـدون
النظرة الطوطمية ـ لا يخضع لأي منطق ومنهج علمي ولاعقلي ،ولكي يفهم
المثقف حقيقة حركته لا بد له كما ذكرنا ـ من التمثل بواقع هذه
الحركة ،والإقتراب منها ،والتعرف على 0000 حقيقة تشرذمها ،وتصدعها
،وعقمها،ومحاولة تخصيبها وتطويرهاوالبدائل التي يطرحها من الناحية
العلمية إذا كانت تعبر عن روح المرحلة ،وروح الواقع ،وبالتأكيد
ستكون من أولويات العمل بها 0بدلا من اتباع منهج نقدي إعتباطي
متعالي مبالغ في نقد حركته السياسية وواقعه المعاش 0 ومن النافل
العلمي ها هنا أنه لا بد للمثقف أن يربط الفكر بالواقع ،وأن يستخدم
المنهج التاريخي لدراسة أي ظاهرة تتعلق بواقعه الكردي المعاش ،ومما
لا شك فيه أن الحركة السياسية الكردية هي واقع ومعاش ،وليست فكرة
مجردة في الذهن ،أو أنها فكرة ميتافيزيقية يصعب حلها بالمجردات ،إذ
لا بد من التعامل معها كظاهرة وواقع ،وليس كما يجب أن تكون ،والتفكير
بغير ذلك {إراهاب واغتراب } فالواقع متغير وغير ثابت ، ويخضع
لمجموعة من المتغيرات ،والقوانين الاقتصادية والسياسية ،ولا بد من
فهم هذه السياسات لأنها الروح أو القوانين التي تغير واقعنا نحن
الكرد كشارع وكحركات سياسية 0 ولا بد من كشف عرّيها،وتحليلها ،إذ
أنّ منطق تاريخ الشعب والواقع الكردي هو الظروف الدولية والمصالح
الأقتصادية بامتياز ،ـ كما مر آنفا ـ والتي تفرزها الإتفاقيات
والسياسات الدولية من جهة ،ومايفرزه الواقع الثقافي والسياسي
والاجتماعي الكردي من جهة أخرى 0 وفي اعتقادنا إذا ما تعرفنا إلى
تلك الظروف كان بمقدورنا استغلالها لصالحنا ،لأن معظم سياسات الشرق
الأوسط سياسات منفعلة وليست فاعلة ،تنفعل بتغير الظروف السياسية
للدول المتطورة سياسيا وعلميا وثقافيا في العالم . وأخيرا عزيزي
المثقف يمكن القول بأنه لكي يصحح الإنسان مساره ونسقه التاريخي
عليه بذل الجهود في مطابقة ما هو نظري مع العملي ،وذلك عن طريق
ممارسات وسلوكيات عقلية ومنطقية ، والتعامل مع الواقع بروح الواقع
نفسه كما هو كائن لا بروح القسر والفرض أي {يجب أن يكون }فالواقع
هو المفرز ولسنا نحن وكذلك الاعتماد على مقدمات تاريخية و منهجية
عقلية ،دون النتائج والقوالب الجاهزة ،إذإنّ التاريخ كحركة وقوة
وصيرورة عبر تطوره هو الذي يصنع بروحه الذاتية الإنسان ،ويخلق
أفكاره وثقافته ومعتقداته ،ومجمل شروط حياته وحتى طبقته و موسساته
الإجتماعية ،عندما تخرج هذه الروح خارجة عن ذاته كموضوع ولكي نكون
صادقين في نتائجنا وأحكامنا لا بد من فكرة التمثل لأي ظاهرة
تاريخية على حد تعبير الفيلسوف الألماني {هيجل}،والتفكير بمنطقها
الخاص بها 0