
يحيى السلو
يبدو أن النظام السوداني لم يستطع الصبر و
تحمل الرمز الخصم، إلى أن يجف حبر التوقيع على اتفاقية السلام، ولو
لحفظ ماء الوجه كما يقال، أو على الأقل احتراما للاتفاقية اليتيمة
من نوعها على مستوى الأنظمة العربية.
هذه الاتفاقية التي جاءت الخروج من
المألوف عن طبيعة هذه الأنظمة.
عندما شاهدت جون قرنق على شاشات التلفزة في
مراسيم الاستقبال الرسمي من قبل النظام الذي عرفناه على عكس ذلك
كنت أتساءل بدون إرادتي:
أمعقول ما نراه أم هي مجرد لقطات من فيلم عربي
خيالي. الخطوة
الحضارية كانت متوقعة في أي بقعة كانت من العالم إلا لدى نظام ذات
جوهر جنجويدي.
لذلك لم يكن يهمني اللحظة بقدر ما كنت أفكر:ماذا
وراء ذلك..؟.
نظام مثل نظام عمر البشير، يستقبل الخصم
اللدود بهذه الطريقة العصرية...
ديكتاتور عسكري يستقبل ثائر مثل جون قرنق، في
الوقت الذي لا تستطيع دول عربية أكثر تقدما الجرأة لأخطاء ولو نصف
خطوة في هذا الاتجاه.
هاهو بانت حقائق الاستقبال التي لم تكن إلا
جزء من اللعبة.
لعبة:( ضمه إلى
النواة باستقبال حضاري ومن ثم تصفيته)،
ولكن على الأقل لو تركوا الأمر ليجف حبر التوقيع.
إن الحادثة التي أودت بحياة جون قرنق ما هي
إلا حلقة من مسلسل تصفيات رموز ثورية وطنية، و قادة ديمقراطيين
قادوا شعوبهم وقضاياهم في كافة الظروف وعرفوا كقادة شعبيين عصاميين.
برزوا على الساحة رغما عن انف القادة
الرسميين الذين ظهروا على الساحة أما بالوراثة أو.أو.و...
الأنظمة الدكتاتورية عندما لا يبقى أمامها
إلا طريق واحد..
وهو التغيير،
( طبعا
بعد ممارسة كافة الأساليب الأخرى )،
تضطر إلى قبول أمر الواقع ولكن ليس على طريقة الخصم.
على الأقل يجب أن لا تتواجد تلك الرموز
ضمن أحداث التطورات.
ومن طبيعة هذه الأنظمة من مبدأ الغرور إعطاء
صورة للشعب والعالم بان أمر التغييرات الديمقراطية والحضارية التي
ستتم: إنها تقوم
بذلك بإرادتها...
الديمقراطية والحضارة والمساواة ما هي إلا جزء
لا يتجزأ من خصوصيات النظام نفسه.
بنجاح لعبة احتواء الخصم بكامل إمكانياته
أولى الإنجازات التي تقوم بها هذه الأنظمة هو التخلص من الرأس، إما
تصفيته أو إبعاده بصورة معينة.
فالنظام العسكري في نقطة الانهيار تحت ضربات
المقاومة أو المعارضة وكشفه على حقيقته الإرهابية.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تعرضه إلى
الضغط الدولي، فيضطر الخضوع لأمر الواقع..الاعتراف
بالمعارضة والحقوق المشروعة سواء للشعوب أو للقضايا الديمقراطية.
ولكن بشرط..
شرط واحد لا غير:
وهو أن لا يتم التفاوض مع الخصم الرجل
الأول.. رأس
الثورة والمعارضة...أي
القائد الذي تحول خلال مراحل النضال إلى رمز والجلوس على طاولة
المفاوضات معهم بالنسبة لهم هو:
الاعتراف بشرعية المقاومة التي كان النظام
يعتبره إرهاب وعمالة وخيانة.
فضح النظام الذي طالما أنكر..
القضايا الحقوقية.
سواء القومية أو الديمقراطية في كافة
الدساتير والقوانين.
الخوف من ردة فعل الشارع، طالما كان هذا
النظام يجند كافة إمكانيات الشعب لمحاربة الإرهابيين والعملاء
والمدفوعين من قوة خارجية كما كانت تدعي.
الخوف من الشعب الذي سيسأل:
طالما كانت هذه الشخصيات
( أرها بين-
انفصاليين.....
الخ )
لماذا تقبلونهم وتستقبلونهم اليوم ممثلي قضايا
وكقادة وزعماء.
لماذا قدمنا الآلاف من الضحايا مدنيين
وعسكريين والخسائر المادية التي لا تقدر..
باسم محاربة أعداء الوطن والانفصاليين
والآن نستقبلهم استقبال الأبطال.
وبالنسبة لمهندسي الطرازالعالمي الجديد
الذين يريدون بناء مزرعة.يتحكم
بها قادة من طرازهم.
في هذه الأحوال وبعد التخلص من القادة ذات
الطراز الغيفاروي (
أرنستو غيفارا )
وإزالة أنظمتهم يجب عدم أعطاء المجال لظهورهم
مرة أخرى، وإن برزوا يجب احتواءهم ومن ثم أما:
التخلص منهم بطرق ووسائل مجهولة حتى لا
يتحول تصفيتهم إلى قوة دفع بل العكس لوضع حد لحركته واحتواء قضيته.
بهدف الاستفادة من إمكانياتهم وميراثهم
وصبها في مجرى دوران طاحونة النظام العالمي الجديد أي أخذ الجسد
بدون رأس لتسهيل عملية استخدامه في هيكلية هذا النظام الجديد.
إيداعهم السجن وفرض العزلة المطبقة عليهم.
المهم إلى أن تتحقق التغيرات يجب أن
يكونوا بعيدين عن الأحداث حتى لا يكون لهم التأثير أو تشكيلهم عائق
أمام خطوات التغيير.
إخراجهم من جدول الأعمال ما هي إلا لعبة من
ألاعيب الحرب الخاصة مشتركة ما بين الأنظمة الشمولية المحلية وبين
الأنظمة التي تتحكم بالعالم.
الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي كان رمزا
وطنيا فلسطينيا وبنفس الوقت الإرهابي الذي يرتكب جرائم لا إنسانية
في أعين الإسرائيليين..
مورست شتى الوسائل للتخلص منه أو تجريده.
أعتبر العقدة اللا حل لها بمجرد وجوده.
فكان لابد التخلص منه.
واكبر مثال لم يحدث أي تطور في عملية
السلام طالما عرفات موجود.فتم
التخلص منه بطريقة دون أن يعرف احد الحقائق و كتمت الحقائق بصورة
دولية.
وفي تركيا زعيم حزب العمال الكردستاني عبد
الله أوجلان طالما كان موجودا في الساحة رفض الجنرالات الأتراك
أخطاء ولو خطوة نحو حل القضية الكردية.
فكان مانديلا الكرد وبنفس الوقت
الإرهابي الانفصالي بأعين على الأقل شرائح النظام والشوفينية
التركية. كان
يجب أبعاده. إن
أمكن التخلص من هذا الزعيم الذي كان يعتبر نفسه ثائر القرن العشرين.
فتم أسره بمؤامرة دولية اشتركت فيه بدءا من
اليونان وأمريكا وبريطانيا.روسيا..
..الخ.
حتى أسره في دولة مجاورة لعديدة.فية
رمز جياع أفريقيا جون قرنق.ولعدم
تصفيته، هناك أسباب عديدة.
منها على سبيل المثال:
إنهم بحاجة إليه لأن أوجلان الوحيد الذي
يستطيع إنزال الغريلا (الأنصار)
من الجبال والوحيد الذي يستطيع وقف
العمليات والتحركات الجماهيرية في الشارع الكردستاني آنذاك...و...و...
الخ.
أي أنهم بحاجة إليه.
فكان الأفضل إيداعه السجن ومن هناك
الضغط عليه لينفذ ما يملا عليه..
لذلك مراسيم الاستقبال الحضاري لقرنق وأمام
العالم أجمع، لم يكن إلا جزء من طقوس البدائيين التي تسبق تقديمهم
القرابين الآدمية إلى آلهتهم.