ابراهيم محمود
في قصة طريفة مفارقاتية، للكاتب التركي عزيز نسن، ثمة شخص
يشهد جريمة قتل بالعين المجردة، فيتجه صوب أقرب قسم للشرطة
في المدينة، للإعلام بما رآه، إلا أنه يجد نفسه في متاهة،
فكل غرفة يدخلها تواجهه بأنها مختصة بأداء عمل لا علاقة له
بما جاء من أجله.
ولأنه معني بالحدث، ويستفظع ما جرى، يجد نفسه مندفعاً إلى
الشارع، صارخاً مستصرخاً الموجودين:
لا أحد في المدينة معني بأمرها!
وما هي إلا لحيظات حتى يجد نفسه في قبضة كل الذين راجعهم
في الشأن المذكور!
العلاقة بين الكردي بصورة عامة، والذين يعتبرون أنفسهم
معنيين بأمره بصورة خاصة، في الدول التي تقاسمت مصيره
وتاريخه، تشبه القصة الطريفة والمأسوية الدلالة لنسن.
نحن بصدد ما أريد تسميته بـ( يمين الكتاب الكردي)، حيث كل
الذين يدَّعون تمثيله، يحددون اليمين تلك، كما يريدون،
إنها يمين مجازية، يمين لا وجود لها إلا في أذهان وتصورات
وحتى جماع أوهام المعتبرين أنفسهم قيمين عليه، القضية هنا
هي فضية تمثيل، والتمثيل يتجاوز حدود البلاغة في اللغة أو
مفهوم البيان!
يتوقف التمثيل هنا بإيجاز على التمثيل به من قبل من يزعم
تمثيله حضوراً أو غياباً، وعلى المثلة كذلك.
يتعرض الكردي للتوقيف، للضرب، للإهانة، للاعتقال، للتعذيب،
للتمثيل به لاحتوائه، للتعتيم عليه، للتحوير في اسمه
وكينونته ولغته، لتحديد دور يفرَض عليه، ليس ليقوم به فقط،
وإنما لتبيان كرديته وكيف يجب أن تكون.
التمثيل هنا هو أن تتحدث عن شخص ما، كما لو أنه موجود وغير
موجود واقعاً، أن تحيله إلى موضوع لك باستمرار، أن تخضعه
من جهة الإشارة إليه لما تريد منه، في كل ما يمثله،
والمثلة تتجلى في تمزيق كينونته، في بعثرة شخصيته مادياً
ومعنوياً، في إحالته إلى كائن شبحي، ليلي، يفتقد مقومات
الندية.
في حال كل الذين يتحدثون باسمه تاريحياً، تبدو المثلة أكثر
من حالة قهر له، أكثر من هدر لقواه الحية، لأن الهدف هو
كيف يمكن تحويله إلى مالا يُسمى،إلى ما يبقيه بعيداً عن
التشخيص، وإن أفصح عن خلاف ذلك، فإن مختلف صنوف العنف يجري
اعتمادها وتطبيقها فيه. وقائع التاريخ في الجهات الأربع،
هي التي تؤكد ذلك.
لكأن الكردية هي أن يقرّر أولو أمر المعنيين بها، ما يجب
أن تكون وليس ما هي عليه، ولكأن المشهد الواقعي والمعاش
للكردية مأخوذ بعقدة الخصاء التاريخية، تلك التي يتبدى بها
ممثّلون لها، من يريدون تجريدها من كونها واقعة تاريخية،
لكأن شوق الكردية إلى التجسيد جغرافياً، يتم داخل الجسد
التاريخي الموبوء، جسد اللغة المستعار، الجسد المزيف
بعلاماته الكبرى، تلك العلامات التي تلغي كل وجود نَسبَي
إنسي للكردي، أنَّى حل ليتحلل!
في إيران، وفي الذاكرة العمائمية المسلحة لآيات الله
العظمى، حيث لا مقاس يبز هذا المقاس الرباني بتوليفه
الفارسي، كما هي الذاكرة المنقحة بصورتها الاستعلائية
التركية الطراز، حيث لا مقام يعلو هذا المقام التاريخاني
المُسَأدد بتوليفه الأورطغرلي، كما هي الذاكرة المصفحة،
بصورتها الاصطفائية العروبوية العلامة، حيث لا مقال يباري
ويجاري مقالها الضادي أنفةً، تبدو الكردية حالة الجاني رغم
أنفه والمجني عليه تاريخياً، الذي ما إن يصرخ بجريمة تحت
سمع وبصر الله الجامع بين الجميع، حتى يتسارعوا لإسكاته.
في الحالات الثلاث حديثاً أكثر يكون الاسلام مظلّلاً
الثالوث الاستعلائي مرفقاً بثالوث قوموي نافذ، الثالوث
التاريخي المتسلط الذي يستهين بالتاريخ، في الإبقاء على
الكردية كذبيحة تاريخية متجددة، كما هو المعاقب في الجحيم،
ولكن الجحيم هنا أرضي، والزبانية هم القيمون الدنيويون
عليه، حيث الحضور اللافت لمتفقهيهم ورموزفتاويهم ملحوظ
بقوة، والتأثيم ضرورة من ضرورات كل نظام لا يمكنه تأكيد
ذاته، إلا بتمييع وسفك ذات سواه، أعني أن العنف الذي يشكل
علامته الفارقة، طالما أنه ينفي عن ذاته البعد الانساني،
فتتعدد لغاته والقمع واحد، وتتنوع أدوات قمعه الفظائعية
والضحية هي هي، أعني الكردي.
يكون البحث عن القربان البشري المستندَ المنزوع الأخلاق
لأخلاق منزوعة القيمة التاريخية، ذلك القربان الذي يستقطب
رموز النظام، وفي الوقت نفسه، يكون صمام أمانه، في الوقت
الذي يناور ويحاور من هم على بيّنة من جوره، من هم مستعدون
ليكونوا الهراوة المسننة والموجهة للقربان ذاك، وأعني به
الكردي هنا.
في ثالوث الأنظمة المعروفة والمسماة، تكون الكردية ذلك
الخط الأحمر الممنوع تجاوزه، أعني التصريح باسمه، مثلما
تكون الكردية محل الرجم التاريخي لرموز لا تهنأ إلا بالقدر
الذي تُسقِط إثمها التاريخي، ممثلاّ في روح الشر المتضخمة
فيها على من تعبره الأكثر قدرة على استعادته لتوازنه.
المفارقة النسنية هي في ذلك التوفير الكبير للتصورات
والبلاغات الإعلامية والدعائية، الذي يعتمده ذاك الثالوث.
لا علاقة البتة بين مكونات الثالوث ذاك، بقدر ما يمكن
الحديث عن عداء تاريخي، مفعَّل في جغرافيا يجري التكالب
عليها، يكون الكردي في الوسط، الكردي المفعول به، وكيفية
نهبها، والكردي يكون منهوباً بالمثل، إنه عداء لا تخطئه
عين التاريخ، ولا حاسة شمه المتعلقة بالدماء المسفوكة في
مسارات القوة المستحكمة، مذ وجدت الامبراطورية الفارسية
نفسها في مواجهة أرض العجائب لقبائل العرب، ورد كيدها إلى
نحرها من قبل امبراطورية كانت قيد التشكل: عربية في الصميم،
وإن كانت البوصلة دينية اسلامية، لتكون البوصلة هذه محل
نزاع، فمن يملكها بات بوسعه إدارة دفة الصراع بأكثر من
معنى، ولتستحيل البوصلة هذه ما لا يحصى من البوصلات، بقدر
الفرق والملل الاسلامية، ومذ برزت الامبراطورية العثمانية
قبل أكثر من قرون أربعة، لتتبدى في إهاب تركية مولَّفة،
وكل الداخلين والمدخَلين إلى مجالها القوموي الطوراني وسماً:
تركاً.
تبدو الكردية حزام الأمان للثالوث المذكور، كلما استشعر
خطراً في الغالب، سواء بالاشتراك، كما في اللقاءات
والندوات المكوكية، أو لحظة القيام بأعمال خاصة بكل طرف،
حيث الكردي هو المقلق للراحة.
وحدها الكردية القادرة على ضمان الأمن المزيف للثالوث
اللاآمن، لشعوب وُجهت بذاكرة أحيطت بالخوف، وجيشت بتصورات
وأوهام الخوف من الآخر اللاتاريخي، وفي صميم جغرافيا
يُتنازع عليها كردية، كما تقول مجريات الأحداث، وإلا لما
كان هذا التوحد اللاودي، هذا الاستغراق في إعادة انتاج
أدوات قمع الكردي معاً.
تسعى إيران إلى أن تبرز قوتها ومهابتها في حمام دم الكردي،
الدم النشوق لحاسة شم تحيل الجسد المعمم إلى مأخوذ برائحة
ولون الدم المذكور، دون أي ادراك لصيرورة التاريخ، دون أي
تفكير لمسار مختلف يمكّن الخروج من حمام الدم هذا، وهذا
يستحيل، طالما أن النظام لا ينفك يعاود الإلحاح على معادلة
طرفينية صارخة: الجلاد والضحية، وهو المنطق المعتمد
تاريخياً، وهي المعادلة ذاتها التي تسمح بإدخال أو تمرير
كل ما من شأنه إدامتها، ليؤكد النظام حقيقة وجوده، وفي
الوقت نفسه تبرير العنف الممارس الموجه ضد الكرد بصورة
رئيسة.
إنه الدرس التاريخي المتكرر والمتصدر واجهة الأحداث
المجتمعية السلطوية الطابع، داخل الثالوث المذكور، الدرس
الذي يتدون ويتلون باللغات الثلاث: العربية والفارسية
والتركية، وثمة تنافس فيما بينها من جهة كيفية النيل أكثر
من الكردية كهوية، أعني كإلغاء لها، ولكنه تنافس لا يثير
حفيظة أي طرف ثالوثي، فهو في حالته الاستثنائية وحدها،
يعزز الشعور بجدوى العنف الثالوثي، ويدفع الطرفين الآخرين،
للاقتداء به.
في الحالة هذه، يمكن لأي جريمة مرتكبة بحق الكردي، بطريقة
ما، من حيث الكم والكيف، أن تجد نسختها في مرمى الطرفين
الآخرين، أو في مضمارهما، أن يتم التقليد سنةَّ ميمونة بما
لا يقاس.
في ضوء ذلك، كل رمز كردي مغضوب عليه، أومؤرشف اسمه في
الذاكرة الاستعلائية للثالوث المذكور، وكل عملية سفك لدم
كردي، تهدىء من روع البقية، التناظر السلطوي والايديولوجي
تبادلي هنا.
لا حلبجة واحدة في المدى التاريخي المنظور، وفي المتناول
والمتداول الجغرافي الكردي المتشظي، إنها ممكنة الوقوع في
أي لحظة، في أي جهة كردستانية، طالما أن أي جهة تجد الوقت
المناسب والفرصة الداعمة لها، وليس من دليل مضاد لما تقدمت
به هنا!
ليس تصريحاً إنشائياً إن أكدت أن لا فرق بين مهاباد وشنو
وزاخو والسليمانية وديرسم وواني وقامشلو وسري كانيه، طالما
الكردية تجلوها، ثمة واقعة تضاريسية تبرز ردة فعلها كردياً،
مثلماينوجد واقع متاريسي إكراهي يستهدف الكردي، حيث قام
واستقام وحيث جلس وحيث اتكأ وحيث اضطجع وحيث أغمض عينيه
وحيث نطق....، ففي الحالات كافة يكون الكردي!
ليس من صمت يتقدم به ثلث الثالوث إزاء ثلثي الثالوث
الآخرين، أو بالعكس، حيث يراق دم كردي، أو تتم جندلته، أو
العبث بمصيره بـ( آيات بينات)، هي عينات العسف المألوف في
الزوايا الحادة والمنفرجة للقيم المهدورة طي الثالوث، ثمة
مراقبة ومتابعة، إنها الأدوار المتعاقبة لا المتضاربة، حيث
يمكن لأي ثلث الحلول محل الثلثين الآخرين، بتنويع العنف،
وإبراز أخلاقية من نوع خاص، الكردي هو العدو والمغرض
تاريخياً.
لا مجال للحديث عن الديمقراطية، في مجتمع اللامجتمع يستبيح
اسمه وفق ماض لا زال يختزل التاريخ، وحيث يقوم ويتنامى
معجم العنف بفهرست أبوابه المتعددة.
يمكن هنا المساءلة حول الملايين من الدولارات التي تصرف
مجتمعة، وتذهب هدراً داخل المجتمع الثالوثي الكلياني
القيمة، رغم اختلاف لغاته السائدة، في مسعى حثيث لجعل
الكردية وهماً، وتبئيس وافعها، فيما لو استثمرت، لتحويل
المجتمع نفسه إلى مجتمع رخاء وإخاء ومحبة، حيث يكون
ابراهيم الجد الأكبر الاسطوري، موحداً بين الألسن، وليس
نبي الاسلام والممثَّل أو ما تعنيه ولاية الفقيه من توجيه
معتقدي لعموم المسلمين، وشرعنة القوة في سيمائها المتمذهبة
الممزّقة لما يسمى بـ( شمل الأمة) هنا وهناك، ولكنها
مساءلة تكون قبض الريح، لأن الثالوث المسيَّس أوجد ابراهيم
الثالوثي، نقيض المحكي عنه ميثولوجياً، ابراهيم المضاد
للشبح التاريخي المهدد، ابراهيم الكردي، مقابل: العربي
والفارسي والتركي، كما هو أي ابراهيم آخر، إن اعتبرناه
المرجع في نفي اختلاف الأنساب، وتعزيز نسب يلغي الخلاف هنا،
فثمة ابراهيم المزيف مثلما هو التكوين الإنسي المزيف،
مثلما هو التاريخ المزيف.... الخ.
إن الأكثر تزييفاً والمتقادم في الزمن هو الأكثر ضراوة
ومقاومة لأي نسخة هي أقرب إلى الأصل، وفي المسرى نفسه، نجد
أن الأكثر شكاً في نسبه، يكون أكثر سفكاً للدماء، وفي نفي
الآخر، وقبول الآخر، خوفاً على القيمة التاريخية المحدودة
له.
أتحدث هنا عن الزلزال المتعرج والمتعدد النقاط خللاً، داخل
الثالوث المذكور، عن الفرص المستباحة التي تُعتمد للتسريع
بالزلزال لينشط أكثر، بدلاً من النظر في التاريخ، وكيفية
المواجهة للذات، والدخول في التاريخ الحي.
أتحدث عن كتاب الكردي الذي يُحمَل ويحمَّل بيمين كاذبة،
ويمين وهمية، تسمى زيفاً بالكردية.
هو كتاب تاريخه، كتاب يمينه الذي يلوّح به، كتاب اختلافه
الذي يتجسده كينونةً، عجزت كل الأنظمة المتعاقبة داخل
الثالوث الموسوم، عن تغيير اسمه: تعريباً وتفريساً وتتريكاً،
حيث كردستان لم تُبتكر كاسم، بقدر ما كانت الاسم اللاحق
على اسم آخر، يخص المعني بها، وليس ابراهيم محمود( كباحث
هنا) هو الذي يراهن عليها، أو يشحنها بالدلالات أو يؤكدها،
إنما التاريخ اللصيق بها، حتى ذاك الذي يخشى من النطق بها،
أو يعتّم عليها، أو يقمع كل من يلفظها، داخل الثالوث
المشار إليه في أكثر من موضع!
يبرع الثالوث في نماذجه ورموزه، في المضي قدماً إلى الأمام،
في ممارسة العنف الذي تزيد الكردي قرباً أكثر من كرديته
وليس العكس، بينما التاريخ الخلفي أو الورائي، ينذر بوقوع
الكارثة التي تتهدده من خلاله.
في الحالة هذه وحدها، تبقى اليمين الحقيقية، ومعها أو
برفقتها كتاب التاريخ الوحيد.
في الحالة هذه نتيجةً ، يبدو الثالوث فاقداً ليمينه، بسبب
الوهم الذي تلبَّسه في تاريخه اللاتاريخ المديد.
|