|
إبراهيم حسو
الهمس عندما يعلو و الصوت عندما يخفق و
زهور الجسد عندما تتفتح هي ابرز المواضيع الشعرية للشاعرة
السورية بهية مارديني في كتابها الثاني ( للحب رائحة
الخبز ) و هو كتاب شعري تشريحي يبحث في الممكن و اللاممكن
الشعري لمسائل انثوية فائقة أن صح التعبير و هذه المسائل
تتبدى في التعريف الشعري ( الممل) لمعنى الجسد وصوت الجسد
و حرية أن يكون للجسد أكثر من معنى ايروتيكي يحمل مدلولات
شعرية و ليست جنسية صورية قد تسئ إلى الشعر نفسه و حرية
الجسد أن يتموضع في شكليه الالوهي و الانساني, و عندما
تبحث بهية عن المعنى الآخر للجسد في صورته و صوته فأنها
تبحث في الخارج الشعري الممكن أكثر ما تبحث في اللاممكن من
الصفات و الأسماء و الجماليات الملازمة لهذا المعنى كأنها
تربي هذا الجسد الشعري على نبذ كل ما هو في مضمونه من
مشاعر و عواطف و حتى الإيماءات الحركية لليدين و الشفتين و
الأعضاء التنفسية للجلد و الملامسة الحسية وغيرها من
المكامن الجسمية : ( أقبّل ) جذوري ( قبعت على سريري ) (
لتستبيح الخطيئة ) انصهر فيك ( اندفع كمراهقة لم تكتمل
أنوثتها ) تفتح نهد ( وأنا أمر على خديك ) و ربما التفاصيل
الجسدية البريئة و الشعرية البسيطة هي التي تخضع لهذه
التجربة الحسية المتأخرة و تجزأ هذه التفاصيل الربانية و
أقصد صوت الجسد إلى المناقض للجسد نفسه و كانت بمقدور بهية
الاشتغال أكثر في تفصيل لغة الجسد و صوته و العمل عليه لو
خرجت قليلا من التلقائية المجانية بالنسبة للوصف و التقرير
و الإسهاب في قراءة الخارج من ذاتها و اعتقد أن القراءة
الأولى للكتاب هي الكشف عن عورة هذه الصفات و ليست
الإمعان فيها و هذا هو مغبة القراءة الشعرية الخاطئة كما
يقول ادونيس و لكن لا بأس فشعرية بهية تمتهن الصدق و
البراءة و الاحساس الطويل بقيمية الاشياء الخاصة في
تناولاتها أولا ثم المحافظة على إعلاء لغتها الشبقية
القريبة من البساطة التي لا تسئ أبدا إلى المتعة القرائية,
تكتب بهية عن الخارج من ذاتها كأنها تدخل إليه و هذه هي
لعبة الشعر و خاصية الشعر:
صوتك
صدر حنون
صوتك
كل الخطر..
وأغلب الظن أن ما تعمل عليه الشاعرة بهية
مارديني في هذا الكتاب أكثر من الرائحة و أكثر من الخبز
ليتعدى الشعر نفسه, وهي تعجن الشعر بأصابع أنثوية مرهفة و
نشيطة تصل إلى درجة أن قراءة هكذا الشعر هي مغامرة غوص في
عوالم الجسد و جمالياته المدفونة تحت أنقاض الكلمة التي
تفشل في مرات كثيرة في خداع القارئ لتلعب الصور الشعرية
المدروسة بدقة دورها الشهواني الذي يفتح العين الشهوانية
أفاق جديدة للسباحة في شعر يوصلك إلى حدود الاعتراف بأن
الأنثى ليست جسدا و حسب أنما هي جملة التناقضات الجمالية
التي تأخذ من الشعرية مفاتنها و معالمها المعرفية, و لكن
لا أحد يستطيع بلوغ متعة هذه المعرفة كما تبلغها الشاعرة,
باعتبار أن مثل هذه المعرفة هي المساحة الممكنة لإفساح
الطريق أمام الأنوثة كي تعلن حريتها و تغدو صورة جسدها:
اشتهي الضياع بين يديك
اجمع صوتك تحت وسادتي
كي لا تسمعه امرأة غيري.
و هذه الصور المعرفية تصنع منظورات داخلية
بالنسبة للبنية التركيبية للنص المقدم و هي لا تكشف ذاتها
ضمن هذا المنظور المعرفي بقدر ما تكشف نرجسية عارمة نحو
الأخر في دلالة مخبوءة و تكاد تكون تمرد سافر بين داخلها
الباحث عن خارج له و بين نرجسية واضحة نحو تضخيم ذاتها, و
لكن كل ذلك لا يعني أن بهية تمارس تناقضا فظا مع ذاتها
الشاعرة و اناها المتورمة و المتضخمة و هي عارفة تماما
معنى أن تكون للأنثى أكثر من حق في التمرد على ذاتها
المتعالية لكن في حدود الانتشاء بما هو منجز عاطفيا و
العمل على هذا المنجز بالنظر إلى تحقيق رؤى فلسفية هادئة
تعيد للأنثى شعريتها المشروعة
قد نبشت الماضي
ايقظت جسدي
من سبات مميت .
و اعتقد سيأتي يوم تنهض فيه الأنثى و تدافع
عن اناها المتضخمة بأنا أكثر رفاهية و جمالية و ذلك عن
طريق مكتسبات شعرية قوية و ليست عن مكتسبات جسدية عقدت
المفاهيم الشعرية منذ نهوض قصيدة النثر لتنهض الأنثى من
كبوة ذاتها و تعلن و لو بصوت أشبه بالكسر عن قيام
إمبراطورية ( أنا موجودة ) .
بهية مارديني شاعرة سورية
كتاب ( للحب رائحة الخبز )
عن دار الينابيع دمشق 2004
|