حسين قادركو
عندما كان ثوار الثورة الفرنسية العظيمة يسيرون إلى
سجن الباستيل الذي كان يخلوا من السجناء في ذلك اليوم ،كان الثوار
يعلمون بذلك، ومع هذا وجدوا أنفسهم يقتحمون أسواره الحصينة ، مضحين
بعدد كبير من رفاقهم ،لأن الباستيل كان رمزاً للظلم والقهر الذي عانى
منه الفرنسيون .وعندما سقط الباستيل إنهار الظلم واندثرت العبودية
وأشرقت شمس الحرية من الغرب لتلقي بأنوارها في أصقاع الدنيا.
في تلك الأثناء كان ثمة فرنسيين آخرين من المعارضة
مصابين بأمراض نفسية من جراء الخوف والفزع من كثرة الرؤوس التي شاهدوها
وهي تتدحرج من على منصات المقصلات ، كانوا يتفرجون على الثوار بإستهانة
ويتهمونهم بالتهور والغباء والفوضى والغوغاء، وهم يكرعون الخمر المعتق
في حانات باريس، علهم ينسون معاناتهم الشديدة بعضاً من الوقت.
تذكرت هذه الصورة، عندما قرأت بياناً لعدة أحزاب
كردية
بمناسبة الإحتجاجات الأخيرة التي قام بها
الأكراد في شمال شرق سورية "كردستان سوريا" بسبب مقتل الشيخ الخزنوي
الذي اختطف وقتل في ظروف غامضة تبعث على الريبة والشك بتورط السلطات
السورية في عمليتي الخطف والقتل. جاء في ذلك البيان كلاماً جميلاً
متوازناً لكن تخلله جملةُ جُمَلٍ
أفقدت البيان إتزانه وأصابه بالإضطراب الذي أعتقد أنه إنعكاس للإضطراب
النفسي العنيف الذي يشتكي منه الموقعين على البيان نتيجة الظروف الصعبة
التي يعانيها الشعب الكردي في سوريا والتهميش الشعبي الذي سببوه
لأنفسهم من جراء الخوف من الخروج إلى الشارع ومواجهة شبح القهر والظلم،
ورغم أن الطب النفسي بعيد عن إختصاصي العلمي لكني اجازف وأنصح هؤلاء
بأن أحس وأفضل دواء لهم للتخلص من العزلة والخوف والإضطراب النفسي ليس
زيارة العيادات النفسية
وإنما هو الخروج إلى الشارع الكردي والإختلاط بالأطفال والصبايا
والشباب والنساء والرجال الذين تحدوا أشباح السلطة وأوهام الخوف، وأني
لعلى ثقة تامة بأنهم سيجدوا أنفسهم قد تحرروا من الخوف والإضطراب
النفسي الذي لازمهم.
ومن مؤشرات التوتر والإضطراب العالي عند هؤلاء
كلمات مستعارة وردت في البيان ، تستخدم عادةً للتهرب من مواجهة
المسؤولية نسمعها كثيراً من أفواه بعض المتملقين مثل ".
في إطار الظروف الملائمة لها
" ، "العبث
بمصلحة شعبنا الكردي
من أجل تحقيق مكاسب حزبية مؤقتة " ، "مواجهة الشعارات
التي تَُرفع للتلاعب بعواطفها ".
وبزيتون كردستان وترابها لو أني لا أكره الكذب
والإفتراء لأدعيت أن هذه الجمل العفنة من إملاءات الأمن والمخابرات
التي هي في طريقها الى الحفرة الحقيرة التي ألقوا فيها بالجسد الطاهر
والبريء للشيخ العادل والمسالم والمفكر الجريء محمد معشوق الخزنوي.
ياللعار، من يعبث بمصلحة الشعب الكردي، هل الذي يواجه
القتل والضرب بصدره المفتوح، ويديه المدودتين للأخوة والسلام ، ويرفض
الخنوع والظلم ؟ أم من يتخاذل عن مسؤوليته ويبيع شعبه بمقعد تافه في
مجلس الشعب، أو بوعد أخرق أجوف من مسؤول أمني لايقدر على فك الخط
ولايعرف من الدنيا سوى السلبطة والتسلط على رقاب شعبه؟.
هل كان الشيخ الخزنوي يعبث بمصالح شعبه عندما كان يتحدى
الشر والظلام وينبذ الطائفية ويحث شعبه على السير في طريق الحق والحرية
في المنابر والساحات العامة؟ ياللعار!
هل كان حسن صالح يعبث بمصالح شعبه عندما خرج مع شعبه
وبنتيه الجملتين للكشف عن القتلة الحقيقين للشيخ الخالد، الذي أدخل
الرعب في قلوب الأمن والسلطة بمواقفه الجريئة الواضحة، فلم يتجرؤوا على
مواجهته علناً فاغتالوه في الظلام؟. ياللعار!
طبعاً، لاأشك مطلقاً بإخلاص هؤلاء أصحاب هذا البيان
لشعبهم ولقضيته ،واؤمن بأنهم من طليعة النخبة الكردية المثقفة، إلا أن
ما يجهلونه أنه في سبيل مصلحة الشعب يجب أحياناً أن ننسى خلافاتنا
ومصالحنا الشخصية ، واللجوء إلى التظاهر ليس من حق حزب دون آخر، بل
الشارع مفتوح على مصراعية ولن يرفض أحداً يلجأ إليه، أما الظروف
الملائمة فتصنعها إرادة الشعوب ومثقفيهم وليس الإنتظار والدعاء والصدفة
وشرب القهوة المرة مع الأعراب الحاقدين على الأكراد وآمالهم وأمانيهم.
أقول مرةً اخرى واناشدكم بإلقاء الخلافات الحزبية
والشخصية جانباً والوقوف إلى جانب شاباتنا وشبابنا الذين تحدوا إرادة
القهر والشر بإرادة الخير وبإرادة السلام وبإرادة الحرية.
وللعلم فقد ولى زمن الخداع والتلاعب بمصالح
الشعب،والضحك على الذقون، فلماذا هذه القراءة المغلوطة والملغومة
لإرادة الشعب الذي حين يستفيق ويفكر وينتفض يصبح طوفاناً يجرف من أمامه
كل القاذورات والميكروبات. وأن غداً لناظره قريب.
المقال القادم عن حزب الإتحاد الديمقراطي.
حسين قادركو ـ كاتب مستقل
.ورغم
إيماننا بكل أشكال النضال الديمقراطي السلمي في إطار
الظروف الملائمة لها ،
فإننا نحمل أيضا منظمي تلك المسيرة
مسؤولية العبث بمصلحة شعبنا الكردي من أجل تحقيق
مكاسب حزبية مؤقتة
، وندعو لتحصين جماهيرنا الكردية في
مواجهة الشعارات التي
تَُرفع للتلاعب بعواطفها
، ومواجهة السياسة الشوفينية بموقف وطني كردي موحد.