طارق حمو
حتى ولو كان السيد جلال الطالباني،الرئيس العراقي المنتخب، يٌناور
في نطاق السياسة(مثلما أٌشتهر عنه دائماً) عندما أطلق تصريحه بخصوص
حزب العمال الكردستناني، ودمغه إياه بالإرهاب( أنظر حواره في صحيقة
حرييت التركية 4/9/2005).فإن ماتفوه به لايعدو سوى نفخة أخرى،
للأسف الشديد، في جمر الخلافات الكرديةـالكردية. ففي الوقت الذي
تتقارب فيه المواقف الكردية الحزبية بٌعيد(وعلى أرضية..) المكتسبات
الكبيرة في جنوبي كردستان، وتصدّر الكرد هناك المشهد السياسي
العراقي بقوة، ولأول مرة منذ إلحاق جنوبي كردستان بالدولة
العراقية،الأمر الذي ألبّ الكثير من القوى الديكتاتورية في المنطقة
وذيولها من الكتبة والمٌنظرين الشوفينيين. يٌطلق السيد سكرتير
الأتحاد الوطني الكردستاني ورئيس الجمهورية العراقية الإتحادية
حاضراً، تصريحاً غريباً آخراً لصحيفة تركية معروفة بعدائها للشعب
الكردي وحركاته الوطنية في كل أجزاء كردستان المقتسمة (وفي العراق
قبل تركيا...).
فالسيد الطالباني وفي حديثه مع الصحافي التركي (يلجين دوغان) يقول
بالحرف" إنه رفض الإتصالات من جانب حزب العمال الكردستاني، وإشترط
عليهم قبل ذلك التوقف عن الإرهاب". وهذه نقطة خطيرة جداً،عندما
يتجرأ قائد كردي بحجم السيد الطالباني ويدمغ حركة كردية كبيرة
وجبارة مثل حزب العمال الكردستاني ونضاله من أجل حقوق الشعب الكردي
بالإرهاب، بل ويصف هذا النضال بإنه "موجه ضد الشعب الكردي".
والحال، فإن هذا التصريح،كمعظم تصريحات (مام جلال) المثيرة للجدل،
يأتي ضد التيار السائر، ويصف الواقع توصيفاً مغلوطاً ومنافياً
لمجريات الأحداث في المنطقة والعالم. فالحادث الآن، وبعد تصريحات
رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الجريئة بخصوص القضية الكردية
في شمالي كردستان، أن تطورات دراماتيكية وميدانية متسارعة تبرز
بشكل تصاعدي نتيجة للتعنت التركي وسياسة الحديد والنار التي تعامل
بها تركيا الشعب الكردي في مناطق شمال كردستان. فقد أعلن حزب
العمال الكردستاني عدة مرات وقفاً لإطلاق النار،أملاً في الإستجابة
والحوار.كما أطلق عدة مبادرات سلمية ومشاريع تسوية للقضية الكردية،
وقف فيها عند "الحد الأدنى" من المطاليب والحقوق القومية الكردية
رغبة في الحل ووقف إراقة الدماء في الجانبين الكردي والتركي، ولكن
بائت كلها بالفشل، و ليس من مجيب، بل العكس، زادت دولة العسكر
سياسة الأرض المحروقة ووسعت من عملياتها العسكرية وحوادث قمعها
للناس بغية ترهيب الشعب الكردي و"كسر عينه" بشكل همجي غير مسبوق.
ولعل السيد الطالباني نفسه يعلم بذلك جيداً، وهو الذي كان يقود "الوساطة"
بين حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله أوجلان، والحكومة
التركية بقيادة الرئيس التركي الراحل توركوت أوزال في آذار عام
1993 ويعلم جيداً من هي تلك الأطراف التي خلت بإتفاقاتها بعد إعلان
الهدنة، والتي كلفت أوزال حياته فيما بعد...
ووصف السيد الطالباني لهذه الحركة الكردية بالإرهاب ولصحيفة تركية
معادية للشعب الكردي، في طول كردستان وعرضها، وبدون أي سبب واضح،
يرسم أكثر من علامة إستفهام لدى أبناء الشعب الكردي الذين يجلون
ويٌقدرون السيد الطالباني كقائد كردي كبير، والذين فرحوا كثيراً
حينما شاهدوه وهو يعتلي منصة الرئاسة في الجمهورية العراقية كأول
رئيس للعراق بعد حقب الإضطهاد والتنكيل بالكرد.
فتصريح السيد الرئيس يضع مئات الآلاف من أعضاء وأنصار هذه الحركة
المناضلة في دائرة الإتهام(بل والإرهاب!) ويجعل من تضحيات آلاف
المناضلين الكرد وملايين البسطاء الذين يخرجون كل يوم في دياربكر،
وان، باتمان، سيرت،هكاري، والمدن التركية الداخلية ضد سياسة القمع
والعنصرية التركية المتأصلة: وتحت أعقاب بنادق الجندرمة التركية
وهروات رجال الدرك، يجعل من هذه التضحيات هباءاً منثوراً،لايمكن
وصفه سوى ب"الإرهاب وخدمة مصلحة أعداء الشعب الكردي". لابل والأكثر،
حينما يذهب السيد الطالباني ليمارس الوصاية على الناس لإرتباطهم
بأوجلان الذي يعدونه رمزاً لهم بقوله"والناس هناك يتبعون أوجلان
للأسف".
ولايعرف المرء ماذا فعل أوجلان للكرد، كي يتركوه هناك وحيداً يعاني
من العزلة الرهيبة في سجنه( أو:محل إقامته!) وينفضوا عنه، وهو الذي
أطلق مبادرات السلام ـ ومايزال ـ لثني الجنرالات الترك عن طريق
الحرب والقتل وقيادة الشباب الكردي والتركي للمحرقة المشتعلة منذ
ثمانين عاماً..؟. أولا يتذكر (المام جلال) قوله لمجلة (الأوج) عام
1997 حينما وصف أوجلان"بالرجل ثاقب النظر والقائد كبير" الذي "أوصل
الثورة الكردية في شمال كردستان لمرحلة متقدمة، بعد فشل الثورات
الكردية المتعاقبة"؟.
لسنا هنا في معرض إبداء النصح للسيد الطالباني أو تصحيح مفرداته
الملفوظة هنا وهناك وهو الخبير والسياسي المحنك، لكننا وكصحافيين
كرد، نمتلك الحق في متابعة تصريحاته ومناقشته فيها، وبشكل خاص
حينما نشتم منها رائحة أخرى: نعتقد إنها تختلف كثيراً عن رائحة "الحمل
الكردي المسالم"، صاحب الحق الضائع، وتقترب من رائحة"الذئب الأغبر"
إياه...
تصريحات (مام جلال) هذه، وليسمح لنا،لاتدخل في باب"إعادة بناء
وترتيب البيت الكردي" كما إنها تصب في إتجاه تقويض ماتم بنائه وظهر
في الأشهر القليلة الماضية.فالدولة التركية تتحين الفرص للفتك
بالتجربة الكردستانية الجنوبية، وليس ذلك بخاف على رجل مثل السيد
الطالباني. وثمّة نقاط إرتكاز عديدة داخل العراق وكردستان
وإستخدامات واسعة للعلاقات الإقليمية والدولية، سارّ فيها الأتراك،
ترغيباً ووعيداً، لتقويض تلك التجربة ولكنهم لم يفلحوا. بينما وقفت
الحركة السياسية الكردية في شمال كردستان(سواء المسلحة منها،أو تلك
التي تخوض العمل السياسي الرسمي) في صف أخوتهم كرد الجنوب، وأصدرت
عشرات التهديدات من قادة عسكريين كرد في حزب العمال الكردستاني "بنقل
الحرب للداخل التركي في حال زحف الجيش التركي على جنوبي كردستان".
ولايخفى لمتابع ومحلل الأحداث السياسية في المنطقة وأحوال الداخل
التركي، إنه لو لم تكن القوات الكردية في شمالي كردستان مترصدة
للجيش التركي، وعشرات العمليات العسكرية والخسائر التركية المعلنة
والغير معلنة، والتهديد المستمر بنقل الحرب للدخل التركي،
والمظاهرات اليومية والحراك السياسي النشط داخل تركيا: لكان للساسة
والعسكريين الترك كلاماً آخر، وفعلاً آخر بالتالي، مع القيادات
الكردية في جنوبي كردستان...
ودعونا نسأل هنا،هل يوافق العرب في العراق، ورئيس الوزراء إبراهيم
الجعفري بالتحديد، دمغ (حزب الله) بالإرهابي، لكسب ود هذا الطرف أو
ذاك؟. هل يقبل العرب السنة، وهم الذين يستميتون الآن لإرجاع البعث
المجرم للحياة السياسية العراقية، تصنيف (حركة حماس) أو (الجهاد
الإسلامي) بالحركات الإرهابية، مقابل هذا الشيء أو ذاك؟.
كان بإمكان الرئيس الطالباني عرض بعض "السيناريوهات" للحل السلمي
كما فعل العديد من الساسة،أو كما صرح رئيس الوزراء التركي رجب طيب
أردوغان جهاراً نهاراً بخصوص القضية الكردية في دياربكر، من باب
الفعل السياسي المحترف على الأقل، وليس دمغ الحركة الكردية
وأعضائها، والمتعاطفين معها داخل وخارج البلاد بالإرهاب، ووصف
نضالهم في سبيل الحل و الحوار والسلام ب"الإرهاب ومعاداة مصلحة
الأمة الكردية"!. فقبل عام من الآن، قام لفيف من المثقفين العرب
العراقيين بصياغة بيان يدعون فيه الحكومة التركية "بالتحاور مع حزب
العمال الكردستاني وزعيمه أوجلان، لحل القضية الكردية في شمالي
كردستان"، وإيجاد مخرج عادل "للوجود العسكري الكردي في مناطق
كردستان العراق". وقد قوبل ذلك النداء والذي ذيل بتواقيع مئات
المثقفين والسياسيين العراقيين المعروفين بالرفض التركي المطبق،
والإصرار العتيد على سياسة الإجتثاث والدم، والتي تسير تركيا في
طريقها دؤوبة منذ تأسيسها قبل أكثر من ثمانين عاماً..
الحكومة السودانية، وبعد سنوات وسنوات من الحرب الطاحنة ضد
المواطنين المسيحيين، والتي أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من الأبرياء،
وأحرقت ثروات السودان، لم تجد بٌداً من طاولة المفاوضات طريقاً
للتعامل مع "التمرد الجنوبي" والحركة الشعبية لتحرير السودان، لحل
القضية وإنهاء الحرب، وقد تم ذلك وتوصل الجمع لإتفاق سلام، شاركت
الحركة بموجبه في السلطة والثروات التي إحتكرها المركز طويلاً. وفي
إيرلندا جرى سيناريو مشابه(مع فارق البطش والقمع هنا طبعاً) بين
الحكومة البريطانية والجيش الجمهوري السري. فيما حلحلت المفاوضات
من التوتر القائم في إسبانيا بين منظمة(إيتا) الداعية لإستقلال
إقليم الباسك والمملكة الإسبانية، في حين بقت فيه الكولونيالية
التركية ثابتة على سياسة الرفض والتعنت والرهان على القوة والبطش
وتقديم التنازلات لهذا الطرف تارة، والرشاوي لذاك طوراً، وكل ذلك
لقهر الشعب الكردي وإبقائه ذليلاً مهاناً،و مشطوباً من أرض آبائه
وأجداده..
الرئيس جلال الطالباني قال في حديثه للصحيفة التركية"بإنه يفكرفي
قضاء ماتبقى من العمر في مدينة إسطنبول لكتابة مذكراته" وياليته
أردف جملته تلك" بعد حل القضية الكردية طبعاً ومنح الكرد في تركيا
حقوقهم". كان ذلك سيكون جميلاً ومنصفاً، ولن أتحدث هنا عن ضرورة
الإفراج عن أوجلان والتفاوض معه بوصفه مخاطباً وممثلاً عن الشعب
الكردي في شمال كردستان،لأن ذلك قد يدخل في خانة "ممارسة السياسة"
الآنية، أو حتى في خانة "بيولوجيا الحجل" المعروفة والطاغية على
الشخصية الكردية، ومنذ آلاف السنين...