ريزان عيسى
بدأت مَلَكَةُ النُطقِ تُورِدهُ مَورِدَ التعميدِ بالكلمة.
تهاوتِ المقادير.
شَذَرٌ من كلامٍ مغمورٍ بغمامةِ الأحجية.
طفلٌ لم تُسعِفهُ بُرهةُ الزمنِ على ترويضِ الحرف.
ثلاثةُ أيامٍ بمقاديرِ الزمنِ المُراقِ عمرهُ.
ثلاثة أيامٍ منحتهُ اقتدارَ البوحِ بخزائنِ المعلوم.
رُفِعَت حُجبُ المُتون، لِتبرحَ الكلمةُ وِكرها.
كلامٌ إثرِ كلام، وقافيةُ الدلالةِ تتركُ هامشاً بين اليقينِ والهذيان.
فلتبقى خزائننا موصدةً برتابةِ اليقين.
أما أنت... أيها الخارجُ عن عُرفِ المعلوم، أفرِغ جُعبةَ الكلامِِ
المُحاكِ بنول ِالأُحجية.
واسرُد ملحمةَ الحُلولِ.
أنتَ يا نسلَ الشهوةِ والطُهر، أفرِغ خزائنَ الطينِ العتيق، فالصلصالُ
سَوَّرَ الروحَ بالجُدران.
أنصِب نَولَكَ في عُرُصاتِ الخيال، وأطلق العِنانَ لِعجلةِ الغزل،
فالأقدارُ لم تبرح وَكَناتِها،
وخيالُ النولِ، أتعبهُ الكُمون.
طِفلٌ أنتَ، لم تُسعِفكَ أيامكَ الثلاث، على نصبِ شِراكِ المعاني.
طِفلٌ أنت، أيها المُرَتِّل.
رَتِّل بركاكةِ طِفلٍ يلهو.
اسرِد على مرمى الهباء.
هكذا...
دارت عجلةُ الزمن،
وحبا الطِفلُ بِخُطى المقادير، صوبَ عوالِمَ لم يطأها أُنسٌ أو جان.
أحلامٌ تتوالى في زحمةِ خيالِهِ الوَلِه.
استجمعَ همسَ النبضِِ، لترتَسِمَ الجنانةُ، مدخلاًً للحُلولِِ.
استبصر بمَلَكَةِ السبرِ حيواتٍ ألِفَها.
غادَرَ الرَحم...
جنينٌ أنتَ في رحمِ الوجود.
فناءٌ في ثقبٍ أسود.
نجم ٌهشيمٌٌ، أرسى هناك... في وصيدِ العدم.
أرخبيلٌ في عَتمةِ الكون.
ألقٌ يكتسي.
عُقدِت مواثيقُ الوجود.
بِدعٌ خلقٌ شبيهةٌ بذاتها.
حصيدٌ فرثٌ، نسلُ طينٍ خصيم.
ملاحمُ سُطِرت، وفقَ مشيئةِ الكلمةِ البدء.
سطوعٌ ألِقٌ.
طفلٌ أُلقيَ على كاهلهِ، وِزرُ الخطيئةِ البِكر.
اقتفى أثرَ العدم، ليعيدَ المجاهيلَ إلى نصابها.
بشرٌ بُدنٌ, عَمَّدوا الوليدَ بِطقس ِالكلمة العاق.
نطقَ الوليد بلسانِ حال ِالأزل:
أنا الذاتُ البدء، صدى الألوهيةِ. سليلُ مواثيق ِالأبد.
أنا الآخرُ القتيل، موئِلُ الحقيقة.
أنا أنتم، كما كنتم.
صمتُ الآلهةِ، ميراثُ حكمتها، صوتكم، ميراثُ ضُعفكم.
زروني، نسلَ الخطيئة. فماءُ تعميدكم، تعافهُ أبدانُ الأزل.
أنا نسلُ الصمت.
سجعُ ترتيلكم، يؤرقُ سكونَ روحي.
تهاوت المخاليقُ من رعبِ اليقين.
انكفئ الوليدُ في غاره.
فصمته أكثرُ حكمةًً من صوِتهم.
وناره أكثرُ وهجاً من رمادهم.
هُناكَ..
تجوبُ الشِعابَ وحدكَ.
تحملًُ رمادكَ بيدٍ، ومنساةَ عُبورِكَ بالأخرى.
أعبِر المخارِم. الليل أقبَل، وغارُكَ في القِمةِ.
أسرِع خُطاك، فالإله يُحتَضَر،
قتلتهُ رحمتُه.
أنثِر رمادكَ فوق ضريحِ الرب، أنثرهُ على الإرانِ العظيمِ لملكوتهِ.
وحيد أنتَ في القِمةِ.
ارتفع شَواظُ الطُهرِ، وأنتَ ساجدٌ في سُبُحاتِ المكان.
الخُشوعُ للاهوتِكَ :
أعبِر بوابةَ العدمِ، فالرحمةُ أُهرِقت على مَذبَحِ الشرائع،
و"أهريمان" أرسَلَ العَسَسَ في إثري.
ارتفعت الظِلالُ، بِخُفوتِ قَبَسِ النار.
ظِلُكَ الباقي.
فلتعبِر، وليبقى ظِلُكَ يحرِسُ الرماد.
أفرِده على الضريح،
وأعقِد أمراسَ الصواري، لِتُبحِرَ بعيداً عن مرفأ الريبةِ.
فلتتلبس روحُكَ جسدَ البحر.
وليبقى الباقي مِنكَ أسيرَ القِمة.
جاشَ البحرُ الشهوانيُ،
والروحُ تعبِرُ التُخوم، لتهبِطَ الأعماقَ.
هناك..
في السِفاعِ الحالِكِ، في ظُلمةٍ أشبهُ بالمقَبَرة،
أسماكٌ. تقودُها أوازيِ البحر.
امخُريِ عُبابَ الوِحشَةِ، بطواعيةِ المدِ الآثِمِ.
هكذا..
سردُ كلامٍ مُثخَنٍ بأنينِ الأحجية.
قيعانٌ سُجِّرَت بالخيبةِ، وقِمَمٌ أدركَتها المَنايا.
في ليلةٍ
خرجتِ الجانُ من وكناتِها تسترِقُ السمعَ إلى حُجُراتِ المُنتهى.
لتنالها كمائِنُ الشُهبِ، وتهوي بها صوبَ دَرَكٍ بلا قرار.
في ليلةٍ
دَخَلَ البختُ مدارَ نحسٍ، وخرجَ المعلومُ على عُرفِ المجهول.
في ليلةٍ
جمحَ القمرُ عن طورِ رُشدهِ، وعرجتِ الجانُ إلى سُدرةِ العدمِ، تسترقُ
البوح.
لحظةٌ مدونةٌ في مهارِقَ من سُعُفِ إياةِ الشمس.
أنصتَ الجانُ مأخوذةً بخيالِ الحقائق، وهي ترفعُ أكِنةَ الغيبِ عن
عُروشِها.
بوحٌ بلا وسيط. بوحٌ أُهرقَ في دِنانِِ الأحاجي. بوحٌ على لسانِ
المقدرة.
هنا في الأُطُمِ المشيدةِ بملكةِ الخيال، في الصروحِ السامِقةِ
بالجدران.
أبوابٌ وصِدت برِتاجِ الرؤى.
أبوابٌ شُرِّعت على مصاريعِها، للجانِ الدَّلِه بالحقائقِ دون الظلال.
هنا، لا كلامَ يُتلى، ولا صُحُفَ تُترى.
لا نمارِقَ من حريرٍ، ولا أنهارَ من سُلافِ الخمر.
لا نقرَ في الناقور، ولا رواسيَ تميدُ صوبَ الأديم.
لا راجفةٌ أو رادِفة.
لا فرائص تُرتَعَدُ من هولِ المُحاق.
لا برازخ، ولا غرفات.
الكلُ هنا سواء.
الكلُ هنا هباء.
هباءٌ من نور، في سُبُحاتٍ من خيال.