rojava@rojava.net

 
   

مسرح العبث وتشيخوف

rojava.net 06.11.2005

 
     
 


قاسملو أحمه دي


ليس هناك وحدة في العلاقة لمسرح العبث لدى الباحثين الإنكليز والأمريكان. إن مارتن اسلين الذي اخترع مصطلح مسرح العبث يعرِّف هذا المسرح كالتالي "يعبر العبث عن فقدان الوعي بأن العالم ذو مغزى أو بأنه يمكن أن يقود إلى نظام كامل للقيم". أما الناقد الأمريكي لايونيل آبل فيرى مصطلح اسلين هذا فاشلاً جداً. وعلى العموم فهو يرفض وجود مسرح العبث، كما يعارض أولئك الذين يؤكدون أنه بفقدان الإيمان بالله عز وجل أصبحت الحياة أكثر عبثية ودون مغزى، ولكنها في أزمنة التعصب الديني كانت أكثر مما هي عليه في أيامنا. وإن مصطلحاً مثل نقيض المسرح يحدد بشكل أكثر صدقاً صفة الظاهرة الجديدة في الكتابة المسرحية. ويؤكد آبل بأن هذا المسرح كئيب، ولكنه ليس عبثياً... ليس راضياً كذلك عن المصطلح الكاتب المسرحي الانكليزي "ديفيد كيمبتون" الذي يعتبره عنواناً يعيق رؤية الجوهر الحقيقي للظاهر.
ويشير جون كيرشو إلى التسيب الأقصى لمفهوم مسرح العبث بقوله: "إنه مصطلح صعب، عويص ومشوش، خصوصاً عندما نستعمله بالنسبة لكتاب مسرحيين على درجة من التباين والاختلاف. يمكن استخدامه بالسهولة نفسها تقريباً لدى وصف تراث "تشيخوف" ندرك عندها ضحالة المغزى الذي يحمله هذا المصطلح".
أما الاساس الفلسفي لمسرح العبث فهو الوجودية. غير أن العبثيين قد هضموا من هذا العلم الفلسفي المتناقض والمعقد ثلاثة أو أربعة شروط تتكرر في مسرحياتهم بإلحاح. فالناقد الماركسي الانكليزي "آرنول كيتل" مثلاً يبرز في النظرية المبتذلة لمسرح العبث الملاحظات التالية :الحياة بلا هدف، ومحاولة إيجاد مغزاها خدعة ذاتية. الانسان وحياته لا عقلانيات. ليس هناك أية علاقة ضرورية بين السبب والنتيجة.
إن مسرح العبث يحاول تحطيم التطورات الآلية عن الحياة، وإجبار الإنسان على وعي الواقع الحقيقي لوضعه. لكن من الصعب جداً أن نفعل هذا، لأنه توجد استحالة أبدية لعلاقة الرضى بين الناس. ويرى الناقد الأمريكي دجيم فيكتور "إن كتاب مسرح العبث يمسون أسس مشكلة الزمن، وإن قوتهم تكمن في نقدهم للمجتمع البرجوازي، أما ضعفهم ففي تشاؤمهم الكاسح". ويقول ديفيد كمبتون "برأيي أن مسرح العبث يعتبر سلاحاً ضد الاطمئنان الذي ينتشر كفطر. من الصعب أن تصبح مطمئناً عندما تهتز أركان وجود الانسان، وهذا يجعل العبث في أفضل مظاهره". قالها من أجل نزع السلاح النووي سنة 1960.
إن النقاد يجدون في مواقف كتاب مسرح العبث قواسم مشتركة كثيرة مع تشيخوف. الكاتب جون كيرشو نتيجة ثانية إلى تشيخوف. إن هدف الكاتب المسرحي هو أن يطرح مشكلة، وليس أن يعطي حلها. وهذا ما يفعله أكثر المسرحيين العبثيين في مسرحياتهم الكوميدية الغامضة والمتفككة. إنهم يشدونها بعمق، ويدخلوننا إلى مسرحياتهم، في حين يضعون أنفسهم جانباً. وعند الكتاب تكون الصفة العبثية مرسومة بمستوى واحد، ومرئية جيداً بحيث تتعذر الإشارة إلى أن أحداً منهم يعبر عن آراء المؤلف. كما أنه لا توجد في مسرحياته أية شخصية صورية.
إن العبثيين يؤكدون بطلان وسخافة الوجود الإنساني. ولكن هذا المصطلح لا يصح بالنسبة لـ"تشيخوف"، فهو يرى الدناءة والسذاجة كإحدى ظواهر الحياة. فأبطال تشيخوف أمثال توزينباح، ماشا بروزوروفا، فيرشينين ، لوباحين، تروفيموف؛ جميعهم يفكرون ويتنافسون حول مغزى الحياة ومعناها. وماشا في الأخوات الثلاثة تقول "يبدو لي أن الإنسان يجب أن يكون مؤمناً، أو يجب أن يبحث عن الإيمان، وإلا فحياته خاوية. أن تعيش دون أن تعرف لماذا طيور الغرنوق تطير، لماذا يولد الأطفال، لماذا النجوم في السماء... أم أن تعرف لماذا تعيش، أو أن هذا كله هراءٌ بهراء".
بهذه الطريقة أيضاً يطرح العبثيون قضاياهم، يتقبلون بشكل تراجيدي اللامعقولية والكونية للحياة الإنسانية. وفي هذا الشيء بالذات يرون سبب التنافر الفوضوي المشوش، والحياة الأرضية اليومية الرتيبة. حين نرى في بعض أعمال تشيخوف التشاؤم الكوني، وخصوصاً في مرحلة نضوجه الإنتاجي، فذلك ليس أكثر من كآبة شاعرية رقيقة. إنه يؤمن بالقيم الإنسانية "الحب، الخير". ويستنكر بشكل غير معهود أولئك الذين يرفضون كل شيء، لا يفعلون شيئا، لا مبالين، ذابلين، وخاملين بحجة أن الحياة ليست ذات معنى.
باختصار، يمكننا القول عن المسرح العبثي الذي قال يونيسكو عنه "الإنسان العبثي هو من أضاع الهدف في الحياة. فالانسان يضيع حين يقطع جذوره الدينية والميتافيزيقية والمتعالية. وتصبح جميع أفعاله عديمة المغزى، عبثية، ودون جدوى.
وفي قائمة مسرح العبث الإنكليزي يضع النقاد أسماءً "سمبسون، بينتر، د. سونديرس". ويرى الجميع أقربهم إلى تشيخوف هو" بينتر" راجعين بمسرحه العبثي إلى الطريقة التشيخوفية. ففي مسرحية عيد الميلاد نجد عند أبطال "بينتر" الهلع والرعب والأمل الضعيف. فحين ينتظر بطله ستينلي قدوم الغرباء، وفي جوٍ مشحون بالتناقضات بين جزم ستينلي قدومهم ونفي صيغ مجيئهم، وتفنيد آراء ستينلي بالمنطق؛ حينها وفجأة يقرع الباب في تلك اللحظة وكأنه الموت، أو ملك الموت يجثم فوق صدورهم، فيرتفع مستوى موسيقا الجو إلى الصمت القاطع، بحيث لا يعودون يسمعون سوى طقطقات الباب المواجهة مع الموت، لكي يخلق جو الخطر والرعب الشاعري. إلا أنه يتخلص من ذلك تدريجياً مثل تشيخوف، ويطمح إلى البساطة.
وفي مسرحية العودة، على الرغم من انتمائها إلى حد ما إلى الواقعية الحقيقية، خصوصاً في المشهد الأول، إلا أنه يعود من جديد إلى ما يسمى في إنكلترا بتكتيك "تشيخوف"، وذلك في المشاهد اللاحقة. ويقول سولوفيوف "أن العودة تشهد على ابتعاد كاتبها عن مسرح العبث"، ولكن هيهات أن يكون الأمر كذلك فالمشهد الثاني يتحدث عن أن بينتر يؤكد كالسابق فكرة عبثية العالم، والعلاقات الإنسانية انطلاقاُ من طبيعة الانسان الحيوانية. ونلاحظ عند تشيخوف والعبثيين الإنكليز اللاتواصلية والعزلة الاجتماعية والوحدة الروحية الموجودة ضمن شرايين العصر، والتي يطلق عليها أسم الأزمة "أزمة العصر"، فنرى عند تشيخوف عند بطله برورزوروفا قوله "إنك تعرف الجميع هنا، والجميع يعرفونك، لكنك غريب... غريب ووحيد"، وهو يكشف أسباب الوحدة والانغلاق واللاتواصلية لدى أبناء عصره في رسالة إلى صديقة ف. أنيميروفيتش دانتشسنكو بقوله "صديقي الغالي: أجيبك على لب رسالتك الرئيسية: لماذا لا تجري بيننا أحاديث جدية إلا فيما ندر؟ عندما يصمت البشر، فذلك يعني إما أنه لا شيء لديهم للتحدث عنه، أو أنهم خجلون. عمَّ نتحدث؟ ليس لدينا سياسة، ليس عندنا لا حياة اجتماعية، لا حياة حلقات، ولا حتى حياة شارع. وجودنا في المدينة فقير، أكثر عمومية، لا تسير وتستمر نهائياُ؟ إذ حينما تكون محاطاً بالتوندرا والأسكيمو فإن الأفكار كما يستحيل تطبيقها على الواقع كذلك تذوب وتنزلق كالأفكار عن النعيم الأبدي. التحدث وربما كنا طرقنا هذا الباب لكننا هنا تخجل أننا كتومان، غير صريحين، تمنعنا غريزة حفظ الذات. كما أننا نخاف...".
هكذا فإننا نرى أن أسباب الوحدة واللاتواصلية هو فقر الحياة ورتابتها، وغياب القضية المشتركة، المصالح المشتركة، ودناءة الأخلاق. ولا يخفى أن أهم أنواع مسرح العبث هو التراجيكوميديا، ويرى ستاين أن التراجيكوميديا في الأصل نوع معاصر يعكس بمنتهى الصدق إدراك العالم من قبل أبناء القرن العشرين، إدراكه بشكل متناقض، ساخر، غريب عن التزمت والعاطفية، ولكنه في آن معاُ شاعري وعميق.
وتشيخوف، كما يرى ستاين، فهو بالضبط أول من استغل جميع إمكانيات التراجيكوميديا، إذ بنى مسرحياته على حدود الحماسة والفكاهة. قطعاً ليس كل كاتب قادر على أن يحفظ توازنه إلى هذه الحدود. والتراجيكوميديا نوع قديم جداً، تحدث عنه سقراط حين كان يبرهن وحدة النبوغ التراجيدي الكوميدي. وأول من تعمق فيه هو هيغل، الذي لا حظ أن التراجيكوميديا "كالدراما" ليست توحيداً ميكانيكياً للكوميدي والتراجيدي. القضية عنده ليست في أن "هاتين المتناقضتين تصبحان جنباً إلى جنب، أو يستبدل إحداهما بالأخرى، بل في أنهما تتعادلان بتثلم كليهما". فالتراجيديا متعلقة بالمحيط والمجتمع والواقع والكون والحياة والموت، أي بالمسائل الأبدية. أما الكوميديا فهي متعلقة بالمسائل الذاتية المتعلقة بالفرد وعواطفه. أما حين يأتي تشيخوف ويدخل التراجيكوميدا إلى مسرحياته، فلأنه أدرك أن الحياة هكذا، الدموع والضحك يأتيان جنباً لجنب... كما تلاقي الرفع، فإنك تلاقي الوضيع دون أن ينسى الصراعات الداخلية للإنسانية، والآلام العميقة، والنزعات الاجتماعية.
أما فنان مسرح العبث خصوصاً بينتر فلا يرى أنه هناك فرق بين الضحك والدموع، والرفيع والوضيع في العالم. ويقول عن فهمه للعالم وكل شيء مضحك: الجدية الارفع مضحكة، حتى التراجيديا مضحكة. أعتقد بأن ذلك الذي أطمح إليه في مسرحياتي هو إبراز عبثية ما نفعل، كيف نتصرف، وكيف نتحدث إن جوهر التراجيديا هو كون هذا الأمر لم يعد مضحكاً، أنه مضحك ولكنه لم يعد مضحكاً". فالضحك عند بينتر، وحتى فكاهته، تتضمن هي الأخرى مسحة الرعب، لأننا نعرف من خلالها كم هي سخيفة ومضحكة حقيقة الحياة. وحتى ضحك تشيخوف يذكرنا تماماً بالقهقهة الهيسترية التي يطلقها إنسان صعق الكارثة، إنه بالدرجة الأولى ضحك اليأس كما يرى هيغل.
ونجد حوار تشيخوف أحياناً التواء يستتر وراء الكلمات التافهة معانٍ عميقة، واستخدم هذا الحوار الملتوي لإظهار التماسك والرجولة لدى أبطاله الذين لا يستسيغون إظهار عواطفهم وشكوكهم. وفي هذا يتشكل المعنى الضمني في مسرحياته. نجد هذا الأمر عند العبثين أيضاً، ويرى تاينين أيضاً أن السبب الحقيقي للحوار الملتوي عند ابطال بينتر هو الرعب وفقدان الثقة: "إن الشخصيات في مسرحيات بينتر كقاعدة محدودة بجدران غرفة. إنهم بشكل مبهم يخافون العالم الخارجي والمخالطة المباشرة بعضهم لبعض. في أكثر مسرحيات تشيخوف نعثر على حوار عبثي هو عبارة عن غمغمات مفككة ولا منطقية، تعبر عن حالة الانسان الواهنة، ووهمية الحياة الحقيقية. وأحياناً يحمل الحوار السخيف لتشيخوف سخف وجود ضيق الأفق حين يتحول النقاش إلى مشاحنات كلامية فارغة، كما في الأخوات الثلاثة. أما الحوارات العبثية فأقل عند بينتر، ولكنها أكثر بكثير مما هي في الحياة اليومية، وهي تأتي لأن ابطال بينتر يستغلون اللغة كغطاء لمخاوفهم ووحدتهم.
كثيراً ما يكون سخف الحوار عند بينتر في اللحظة الأولى فقط، حيث تكمن الحقيقة وراء هذا السخف. فالحوار عند ستينلي ولو في مسرحية عيد ميلاد ، وحين يعرض ستينلي على لولو الهرب غير المنطقي والمتناقض، يؤكد وضع الأبطال. فإن كان الحوار لا يجدي نفعاً، وسخيف، فالصمت أفضل. لذا نرى عند تشيخوف كثرة اللجوء إلى الإيماء الذي من خلاله يفهم ابطاله مع بعضهم. وهذا الصمت يأتي دليلاً على فاعلية فكرة البطل وحركة أحاسيسهم، والإجابات المفاجئة الطبيعية. أما الصمت عند بينتر فهو كثير وبليغ. فأبطاله رغم ذلك يحسون بالحاجة إلى الكلمة. إن بينتر ذاته يمتلك بصورة رائعة من ناحية لغة الحديث المعاصرة، وهذا برأي النقاد فضيلته الأساسية. فالعبثيون إذا لم يستعيدوا ثقتهم بالحوار واللغة، فإن مسرحهم سيتحول إلى مسرح صمت. وهذا يؤكد عدم سلفية تشيخوف لمسرح العبث، ولكنه تنبأ بكثير من الأمور التي يعالجها مسرح العبث. وأقرب ما يكون إليه من العبثيين الإنكليز هو بينتر.

المراجع
- أ . ب تشيخوف . الأعمال الكاملة والرسائل ، ج - ، موسكو 1948
- مجلة المسرح 1965 ، العدد 4
- غلوموفا – غلوخاريفا المسرح الغربي اليوم
- هيغل المختارات – ج 14 ، موسكو ، 1958
- شاخ غريزوفا " تشيخوف والدراما الاوربية الغربية في عصر " موسكو 1966
- ليفيدوفا . حول الدراما الانكليزية في السنوات الاخيرة 1966
- J karsh aw . the present stpge. Lnd. 1966 .






 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE
 

 
 
 
Kurdi

 عربي

 القوس الثالث

 المقالات

الدراســــات

الشعر

القص

حقوق الأنسان

الكتابة بالعربية

الأرشيف

التحرير

Deutsch

English

Swedish

Hevgirtin