rojava@rojava.net

 
   

المبدع ....
بين الثقافة الأم والثقافة الأخرى

rojava.net 06.11.2005

 
     
 


عبد الستار نورعلي


الثقافة هي مجموعة القيم والمعارف والعادات التي تحدد ملامح وخصائص المجتمع والفرد . والظروف التاريخية الزمانية والمكانية إضافة إلى البيئة الجغرافية والامكانات الاقتصادية والظروف الاجتماعية عوامل أساس في التشكل الثقافي لكل أمة ومكوناتها الحضارية . من خلال ذلك يتم تشكيل البنية الشخصية الذاتية للفرد بما تحمله من صفات وعادات وقيم وأفكار وثقافة وخيال وتعبير. أنها تؤثر بلا شك في اكتساب تكوينه العقلي والفكري والمعرفي وذاكرته بمخزوناتها من تجارب حياتية معاشة وخيال ، إلى جانب ثروته اللغوية التعبيرية المكتسبة في الأساس من البيئة التربوية في المحيطين الداخلي العائلي والخارجي المجتمعي ثم التعليمي في إطار الثقافة السائدة في الأمة التي نشأ فيها ويحيا وسطها .

الثقافة السائدة في المحيط إذن هي التي تحدد معالم وأبعاد الشخصية الفردية . والتربية التعليمية المعرفية مرتبطة بهذه الثقافة لغة ومنهجاً وتوجهاً . إنها اللبنة في بناء الفرد اللغوي بحسب الوسط الذي جاء منه وخالطه وعايشه واكتسب معارفه وأخيلته وأفكاره من المنشور السائد . هنا يأتي دور الذوبان الثقافي في المحيط ، سواء أكان الفرد من نفس النسيج القومي لهذا المحيط أو من جذر آخر . ولا يعني هذا بأي حال من الأحوال الذوبان القومي بقدر ما يعني الاندماج الثقافي القسري رغم إرادة واختيار الفرد . القسري بمعناه الاضطراري لا التعسفي ، وإن كان هذا في الأنظمة العنصرية المتعصبة المتسلطة الاضطهادية الشمولية التوجهات يعد إندماجاً تعسفياً اضطهادياً عنصرياً .

عندما ينشأ المرء في بيئة غير بيئته الأم ، وفي محيط غير محيطه الطبيعي المفترض وفي وسط ثقافي غير ثقافته الجذر ودون اختيار منه لا يجد أمامه إلا التلاؤم والاندماج بعيداً عن الانسلاخ من جلده وفقدان هويته أو التهرب منها . رغم أن البعض عمل ويعمل على الانسلاخ ، لكن ليس من اليسير عليه ذلك ، لأن الهوية القومية ليست اختياراً بحسب الرغبة بل انتماءاً طبيعياً وقدراً مولوداً مع الانسان دون إرادة أو رغبة ذاتية ، وهي ملازم موضوعي ثابت له مادام هو فلان ابن فلان ابن فلان .........

إن الثقافة الفردية هي نتاج كمية الغذاء المعرفي العام الذي يغترفه الانسان خلال مسيرة حياته من وعاء الثقافة السائدة . وعليه فإن النتاج الإبداعي للفرد ينبع من هذا الكم ويصب فيه . ولا فرق هنا إن كان المبدع من نفس الأمة أم من سواها ، طالما أن النتاج من نفس المنبع صادراً ووارداً وبنفس المؤثرات والمكونات . وفي التاريخ الثقافي للأمم المختلفة في العالم أمثلة وشواهد كثيرة . أقربها إلينا التاريخ الاسلامي على مدى عصوره المختلفة والمتباينة. وعلى سبيل المثال لا الحصر : المؤرخ الإسلامي ابن خلكان صاحب الكتاب الشهير (وفيات الأعيان) الكردي الذي يحسب على الثقافة العربية ، ومثله سيبويه الفارسي صاحب أول مؤلف منهجي في النحو العربي (الكتاب) ، وكذا ابن جني الرومي صاحب المتنبي وأول شارح لديوانه ، والشعراء ابن الرومي وبشار بن برد وأبو نؤاس ومهيار الديلمي ، وغيرهم الكثير من أدباء ومؤرخين وفلاسفة ومفسرين ليسوا بخافين . مروراً بالعصر الحديث أمثال : الشاعر محمود سامي البارودي الشركسي وأحمد شوقي وجميل صدقي الزهاوي وبلند الحيدري والأخوين محمد ومحمود تيمور المصريين اللذين كانوا من الرواد الأوائل ممن كتبوا القصة القصيرة بمفهومها الفني الحديث وكلهم من أصل كردي . والأمثلة كثيرة .

ولدينا في الأدب الحديث في القرن العشرين وحتى اليوم ظاهرة كتاب المغرب العربي الذين عاشوا ويعيشون في فرنسا وأنتجوا إبداعاً باللغة الفرنسية درج ضمن الأدب الفرنسي ، وإن حاول البعض نسبته إلى الأدب المغاربي العربي انطلاقاً من بعض موضوعاتهم المستقاة والمستوحاة من البيئة المحلية لبلدان المبدعين الأصلية أو الأجواء العامة لجالياتهم التي تعيش في المهجر.
إن الخيال الذي هو أحد العناصر الأساس المهمة في الإبداع يتشكل وفق البيئة الجغرافية والوسط الاجتماعي والبنية الفسيولوجية والسيكولوجية الذاتية ، وكذا التأمل والتفكير والتخييل . وتضاف عند المبدع المؤثرات الثقافية العامة المكتسبة من التعليم والقراءة والاطلاع العام والتخصص الإبداعي اضافة الى الفترة التاريخية المعاشة . كل ذلك يؤثر في صياغة اللغة والشكل والمضمون الذي يميزالمبدع . لذا نقرأ عن التراثي والحديث ، والاتباعي والإبداعي ، والثابت والمتحول ، وغيرها من المصطلحات الأدبية والنقدية والعموم الثقافي .

يجرنا كل ما ذكرناه إلى طرح السؤال التالي : هل يجوز لنا أن نلقي ظلال التهم والنقد والرفض على أولئك المبدعين الذين يخلقون إنتاجاً إبداعياً بلغات غير لغاتهم ولأمم غير أممهم ، فيرفدون ثقافاتها بإبداعاتهم وعصارة أفكارهم ؟

هنا لابد لنا من استحضار نمطين من هؤلاء المبدعين : نمط متمكن من ثقافته الأم ولغتها ومن الثقافة الأخرى ولغتها . ونمط غير متمكن إلا من الثقافة الأخرى ولغتها . ولا أظن أن المبدع الممتلك ناصية ثقافته الجذر ولغته الأم يمتنع عن الكتابة بها عامداً، ليكتب بالثانية فقط . إنما منطق الأشياء يقول أن ينتج بالاثنتين ليستقيم عمله الإبداعي حصداً للفائدة والمنفعة لثقافته و لغته وللغة الأخرى وثقافتها ايضاً لإثرائهما بالتفاعل والفعل وخاصة حين تكونان متجاورتين متعايشتين في نفس البلاد والأرض والبيئة الجغرافية الاجتماعية والسياسية . هذا عبد الرحمن هزار الكردي الذي أبدع بالكردية والفارسية ... وذانكما جبران خليل جبران و جبرا ابراهيم جبرا اللذان أبدعا بالعربية والانجليزية رغم البعد الجغرافي والاجتماعي والفكري والتخيلي والثقافي العميق بين اللغتين .... وهناك غيرهم .

أما النمط الثاني غير المقتدر إلا من الثقافة واللغة الثانية فهو واحد من اثنين : إما متعمد الانسلاخ عن جذوره وإدارة ظهره لمنبعه وأصله ، وإما الأمر خارج عن إرادته بسبب الظروف التاريخية والجغرافية الموضوعية التي ألقت به في وسط مجتمع غير مجتمعه وبيئة بعيدة عن بيئته الطبيعية ، مما دفعه واضطره إلى الاندماج في المحيط الذي وجد نفسه فيه صغيراً ، أو ولد وترعرع فيه ، أو ولد ونشأ آباؤه قبله فيه ثم هو بالضرورة . فهذا هو الاندماج الاضطراري بفعل الظروف الخارجة عن إرادة الانسان واختياره . ليس هذا تبريراً لحالة بقدر ما هو تقرير لحقيقة موضوعية واقعة قائمة ، على الرغم من محاولة البعض أن يُلبسها أردية سوداء قاتمة حادة النسيج مستندة إلى قناعات مسبقة ومواقف حدية لا تقبل المناقشة والوجه الآخر ، بعيدة عن الموضوعية والمنطق التاريخي الواضح .

إذا لم يرفد البعض من النمط الأول وعاءه الثقافي الأم بإبداعه بل اتجه كلياً نحو الثقافة الأخرى مبدعاً وخالقاً ورافداً ، فعندها تحق لنا المساءلة ، ويجوز لنا النقد والبحث والاستقصاء في الأسباب. فإذا قيل أن هذا هوالانسلاخ المتعمد مع سبق الإصرار والذوبان الاختياري أو على الأقل محاولتهما على استحياء ، حينها يمكن لنا التأمل والمراجعة والحساب ، إن جاز الحساب وإن حقت المساءلة في العملية الإبداعية!!!

في رأيي الشخصي أن الأمر رهن بحالات أخرى ذاتية ترتبط بالمبدع وتركيبه النفسي والتخييلي والثقافي واللغوي وموهبته التي قد تميل باتجاه شاطئ ابداعي دون شاطئ. والتساؤل والاستيضاح يوجهان الى المبدع نفسه دون القاء التهم والشكوك والحساب الثقيل عن بعد ومن منطلق الاسقاط أوالتهميش أو الرفض أو في أقل الحالات النقد أوالطعن اللاموضوعي. ولا أظن أن الأمر عند أمثال هذا المبدع هروب من الذات العامة للأمة التي ينتمي اليها .

والموضوع مع ذلك بحاجة الى الاغناء والطرح والمناقشة والبحث وإدلاء الدلو.




 


 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE
 

 
 
 
Kurdi

 عربي

 القوس الثالث

 المقالات

الدراســــات

الشعر

القص

حقوق الأنسان

الكتابة بالعربية

الأرشيف

التحرير

Deutsch

English

Swedish

Hevgirtin