rojava@rojava.net
أنفاس الحب
rojava.net 05.11.2005
بقلم صبحي درويش الحب ظاهرة كونية وغريزة أساسية مثل الخوف والغضب والفرح وهي غير محرمة شرعا أو محظورة ديانة كما يقول ابن حزم في كتابه طوق الحمامة وأجمل ما كتب( جلال الدين الرومي) هو في الحب والعاطفة فقد دعا الى الحب دعوة سافرة وذكر عجائبه في بسط وتفصيل فقال(إن الحب يحول المر حلوا، والتراب تبرا، والكدر صفاءا، والألم شفاء،والسجن روضة، والسقم نعمة، والقهر نعمة ، وهو الذي يلين الحديد ويذيب الحجر، ويبعث الميت، وينفخ فيه الحياة، ويسود العبد).وينقل عن (جلال الدين الرومي) أيضا في الحب: سأقول لك كيف خُلِقَ الإنسان من طين؟ ذلك أن الله جل جلاله نفخ في الطين أنفاس الحبّ. وسأقول لك لماذا تمضي السماوات في حركاتها الدائرية؟ ذلك أن عرش الله سبحانه يملؤها بانعكاسات الحب. سأقول لك لماذا تهبّ رياح الصباح؟ ذلك لأنها تريد دائما أن تعبث بالأوراق النائمة على شجيرات ورود الحب. إنني لأستطيع أن أفسر لك كل ألغاز الخليقة، فما الحل الأوحد لكل الألغاز سوى الحب! وبين الحب والحرب حرف واحد؟ ولكن ثقافتنا اليوم تقوم على ثلاث: حرام . ممنوع . مستحيل. ومحرم على المواطن البحث في ثلاث: السياسة والجنس والدين، ومجتمعنا مشدود بين ثلاث أقطاب: مواطن أعمى ومثقفا أخرس وحاكم أطرش. صم بكم عمي فهم لا يفقهون. وكما جاء في الإنجيل "أعمى يقود أعمى الاثنان يقعان في الحفرة".الحب حالة فرح يقلبها المجتمع المتزمت إلى قهر وغم وحزن. فطوبى لمن يستطيع الحب في الهواء الطلق ولمن يطلق لعواطفه العنان، ويرسلها تزقزق مع العصافير وتشدو مع العنادل، وتنافس النوارس في أناقة التحليق والهبوط.الحب يمنح الإنسان الهدوء ويهبه النشوة والاسترخاء وشعور الأمن والسعادة وتحقق الذات ويشبه الإنسان الطبيعة من وجوه شتى فهو يوما غائم وثانياً ماطر وثالثاً يرعد ويبرق ورابعاً مشرق بهيج. والإنسان يوما مكتئب وثانياً يبكي وثالثاً يغضب وفي يومه الرابع في غاية السرور والنشوة. وليس منا إلا وهو مزاجي. يصعد ويهبط بين الحين والآخر فهذه هي طبيعة الإنسان. وعلينا احترام هذه الطبيعة والتعامل معها ليس بإلغائها بل بضبطها وتربيتها وتصعيدها مثل أي طاقة في الكون. واليوم نحن نعرف أن الذكاء ليس عقلا صرفا بل عقل وعاطفة وثمة مذهبان في العالم لا ثالث لهما : يقوم الأول على احترام الإنسان والحفاظ عليه ، والثاني على العنف وتدمير الآخر وإلغائه ، و خلف كلا المذهبين عواطف متباينة، فالأول يُغَذَّى بالحب والثاني بالحقد، والحقد عملياً هو الانكفاء والارتداد على الذات ولذا فهو مدمر لأنه يحذف الآخر، والحب مشاركة ولذا فهو حياة ونماء والحب يبدأ بإرادة القرب والمودة، ثم يقوى فيصير محبة، ثم يصير هوى، ثم يصير عشقاً ثم يصير تتيماً ثم يزيد التتيم فيصير ولهاً. والوله يتحول إلى عذاب مقيم، فإما اللقيا أو الموت المجازي حين تفقد طعمها الأشياء، فالعاشق دون لقاء كالسمك دون ماء، فإما أن يسبح السمك العاشق في بحار الوصل، أو يودع الدنيا.وأجمل ما في الحب انه ينبع منك، ويجري فيروي الآخرين، ثم يعود إليك في دورة أبدية متكاملة تملأ حياتك بالفرح والإشباع والإحساس بأحزان الآخرين، وضرورة الترويح عنهم. فالحب ولو لم يكن له إلا هذه الصفة لكفاه، يجعلك أكثر قابلية للانغماس في الأعمال التي تجمل وجه الكون وتزينه وتحسنه، وتقلل من بؤس الناس وأحزانهم وآلامهم النابعة من مصادر شتى. فالحب الصحي حالة فرح وطرب تنعش الروح وتشحذ قوى القلب والعقل وتعطي الإنسان فسحة للتخفف من أعباء الحياة الجدية العابسة حين تخلق له مملكة خاصة به بعيدا عن ممالك البشرومن عذاب الحب وروعته لا تدري هل تدعو للناس بالعشق أو بالحرمان منه، فغيابه يوفر العذاب لكن هل يستطيع من لا يحب أن يدعي انه يعيش، ويحيا..؟. إن الرجل الوحيد هو الأكثر قابلية للكسر لا سيما حين تهجره الآمال والطموحات وتتشظى أحلامه الكبرى على إيقاع العادي والمألوف والمتكرر.ولا شيء يمنع من الانحدار نحو حافة اليأس مثل حب عظيم، ليس لشخص بعينه، فحسب، ولكن للبشرية بأسرها، فلا شيء يطهر القلوب ويواسيها مثل الحب، ولن نستطيع أن نغفر للآخرين بلاداتهم وصغائرهم، ومشاكلهم المملة إلا إذا أحببناهم دون رتوش كما هم بأخطائهم وزلاتهم وعاداتهم التي لا تعجبنا، وبلا عمليات تجميل و اقترن الحب بالجنس لأن الحب أعظم من الجنس وممارسته، ولكن أحد تجلياته جنسية. قد يكون الجنس بهيمياً دون حب، ويصبح إنسانياً عندما يمتزج بعصارة الحب، فهذا مشعر التفريق بين ممارسة الحب عند الحيوان والإنسان. وعندما تتصاعد دفعة الحب عند الإنسان لا يشعر بقمته وتحقيق هدوء النفس ما لم يمتزج بالطرف الآخر. فالعمل الجنسي هنا تعبير عن تجّلٍ أعظم للحب. وتفضي ثمرة العلاقة الجنسية إلى الإنجاب وحفظ النوع وتكرار الذات في نسخة أصلية لا تقبل التزوير كشهادة توثيق دامغة على عمق هذه العلاقة. وتعمق العلاقة لاحقا بترعرع الأطفال كثمرة حب وبناء شبكة علاقات اجتماعية. الحب إذاً نماء وثروة جديدة وتجدد في الحياة. والكراهية انعزال وتقوقع وانكماش وانتحار داخلي وفناء مبرمج. "وجعل بينكم مودة ورحمة".والحب الكبيرعملية متكاملة تبدأ بحب الأشجار والأنهار والعصافير والبشر، وتنتهي ـ إذا كانت لها نهاية ـ بالحب الكامل للجمال المجرد الذي لا يتكلم بلسان وهو الأكثر بلاغة من الناطقين، ولا يكسوه لحم أو يجري في عروقه دم وهو أصل العواطف والشرايين. إن معزوفة الحب البشرية قيثارة متكاملة الأوتار، ومن لا يستطيع أن يحب صفصافة جيرانه والعصافير التي تزقزق فوقها فهو بالتأكيد غير قادر على حب صاحبتها، ومن لا يتسع قلبه لحب الكون بشجره ورماله وعصافيره، لا يمكن أن يكون عاشقاً جيداً لإمرأة بعينها، فالحب قابلية تعايش وتكوين، ومعادلة تطهير داخلية قبل أن يكون هوساً وشبقاً ورغبة في قضم اللحم البشري الحار المترع بالظمأ والرغبة. والخيط الأبيض بين الحب والوحدة ـ التي هي إلى التوحد أقرب ـ يتمثل وبخلاف العزلة السلبية، في الإصرار على التورط عميقا في حيوات الآخرين، فالقلب المليء بحب الناس لا يصبح وحيداً أبداً ويظل يشعر بالتآلف الحميم مع الكون وقضاياه وناسه حتى وان كان داخل الزنازين الانفرادية أو على تخوم الآخرة. حين نحب نوقف زحف الزمن إلى نفوسنا وأجسادنا، ونتطهر بإكسير الشباب الدائم، فالحب مدخل الخلود والشرفة الوردية التي نطل منها على الأبدية الملونة حيث لا تتشابه الألوان، ولا الطعوم، ولا نشرب من الكأس الواحدة مرتين لأننا نعيش تجدد الحلم في الكائنات والأفكار التي نحبها، وبها نتألق ونحيا، ونتواصل رغم خلاف الطباع وشاسعات المسافة. إن العاشق لا يمكن أن يكون حاسداً ولا مبغضاً لأحد ولا ذماماً نماماً، فتلك العاطفة الراقية تقيه الدخول في نفق البغض والحسد والترهات والصغائر، وتجعله يتعامل مع العالم دائما على ضوء ذلك النور المبهر الذي يشع من داخله ويغمر كل ما حوله من بشر وأشياء ومعانٍ صامتة وناطقة. ومع حب الناس تتلون الفصول، ويتجدد نائم الأحلام، وتهطل أمطار المودة والخصب، والرغبة في العطاء والتواصل مع الكائنات والطبيعة. الحياة بلا حب صحراء قاحلة فهو الذي يحيلها إلى ربيع دائم، ويجعلنا نحس بأدق تفاصيلها وبأجمل ما فيها، فمعه وبه لا عزلة ولا يأس، وكيف يجيئان أصلا والدنيا بأسرها داخل قلبك تتعاطف معك، وتواسيك وتدعوك إلى الرقص في عرس المحبة؟! soubhidarwish@hotmail.com
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE