إعداد وترجمة وتقديم : حنيف يوسف
دلال، نص فولكلوري يروي قصة حب عدولة ابنة زرو تمر باشا المللي،
لدرويشي عفدي، من خلال تداعياتها الحارة، التي جاءت على شكل ملحمة
غنائية مفتوحة، تشكل أساساً، من حيث الوقائع و الأسماء، الإمتداد
المكمل، لملحمة درويشي عفدي، لأن دلال هو الاسم العاطفي الذي أطلقته
عدولة على حبيبها درويشي عفدي، بعد مقتله مباشرة، و هو هنا بمعنى
الحبيب.
و اسم دلال في العربية، يطلق في الغالب على الفتيات، و لكن من خلال
ترجمتي للنص، ارتأيت من الناحية الجمالية ابقاء اسم البطل كما هو، و
كما أطلقته علية عدولة في سياق تداعياتها الدرامية.
في هذا العمل أقدمت على تقديم روايتين للملحمة، و هناك عدة روايات
متقاربة أخرى لها، و جميعها تتفق في جوهر سردها و مواقفها.
و قد اعتمدت بشكل كبير في الرواية الثانية، على ما أنجزه مشكوراً
المغني أبو صلاح، من خلال جمعه لأكثر من رواية للملحمة، ثم دمجها و
تقديمها في شكل متماسك و جامع، و تقيدتُ في كتابتي للنص الكردي
بالروايات التي سمعتها، لغةً و صياغة، و كما قلت في البداية، فإن هذا
النص الفولكلوري مفتوح على كل تداعيات قلب عدولة، وكل ما جاء هنا هو
على لسانها، و هي تروي لنا حبها العنيف لدرويشي عفدي.
دلال أو تداعيات عدولة
الرواية الاولى
سأقول آه، على مر العمر، و سنوات الحياة، و كل ما تبقى لي من الوقت هنا
سأطلق العنان لتأوهات روحي، لتأوهاتي العميقة
أنا الرجيمة بمصائب الزمن،
التاركة صلاة الدنيا
أنا يا حبيبي قطعت ضفائري، و ترملت بعدك الى الأبد
لن أصبح في حياتي كنّة أو عروسة لأحد
قلبي دير واسع، دير هو قلبي
أما من شمس تطلق شعاعاتها الباكرة على خيم و مضارب
1 البراري الجنوبية على سفوح هضبة " كوزن شهر"
على قلعة ماردين، قلعة الصبايا و الفتيان، من العشاق
على الفتيات الجميلات و الغلمان التعساء
أما من شمس تبسط
خيمتها على بياض الثلوج في القمم المزدحمة؟
آه يا أمي،
إني أرى شبحاً
يتراءى لي، فرساً متعبة، و فارساً شديداً، ياأمي، أمامه
الترس، في يده الرمح و الدبوس،
ينحدر جنوباً، تئن تحته الفرس، تترنح متثاقلة، لست أدري
إن كان من خطأ في وضع حدوات القوائم متعاكسة بين الميمنة
و الميسرة أم من مسامير الحدوة، أو ضربات مطرقة الحداد؟
آه ياأمي
ليتني أرى قبل الممات، فارس الهدمان"2 " قد عاد بالخير من
مضارب الجنوب،
لفتحت له أربعة و أربعين زراً شامياً في قميصي
سأحرم على نفسي اتخاذ الخلان و العشاق
و كل معشر الرجال بعد دلال
سأقول آه، مدى الحياة، سأقول آه، أيها الحبيب دلال
ياأمي،
لست أدري أكيكية أنا أم مللية3 ،
أم أنا مخطوبة ( أو سبي علي )
لست أدري لمن سأكون لائقة،
ما أنا إلا لائقة بكبير الفرسان، بشارب درويشي عفدي،
السوسني الداكن،
فارس الهدمان العنيف
ليتني وجدت نفسي قبل الممات امرأة في داره، تقوم على خدمته
آه منك أيها المسافر.... أيها الضيف البعيد
من بعدك سوف لن أفتح باباً لبيت أحد
لقد وضعت كل أشيائي في انتظارك
و هيأت نفسي لك أيها الحبيب دلال
في انتظارك،
سواعدي الغضة و معصماي الطريان،
المزدانان بأساور من فضة و ذهب
عيناي المكحلتان، من تلقاء نفسهما
كفّاي، و أظافري المحنّاة، و رائحة أصابعي التي من طيبها تمد
العصافير أعناقها من الأعشاش
و تخرج الأفاعي رؤوسها من الجحور
في انتظارك
حلمتاي في تخوم صدري، شجيرتان بيضاوان متوجتان بالأحمر
معجونتان من عصير الفواكه الحلوة و شفافية الخضار
معجونتان بإجاص" أضنة" وعذوبة السفرجل
بملبن و بسطيق" عنتاب" , وخيار " ملاطية"
بتفاح" هيامي " 4
أيها الحبيب، أنا الرجيمة بمصائب الزمن،
آه فلأمت قربياً من مكان جنوني
أربعة و أربعون نبعاً، تفجرت مياهها المجنونة،
إنها تسيل زاحفة إلى الأمام، معلنة ربيعها
انه الربيع ياحبيبي
تفتقت كل أزهار الجبال، و أطلقت ألوانها الصارخة
إنه الربيع أطلق هدوءه
مع حومان الطيور المائية
القادمة إلى السواقي و الانهار الطويلة
و التي ترقص كأنما وجدت نفسها في عرس كبير
ثلاث خيام كانت تلوح لي
على القمة العالية لجبل عبد العزيز، و تبدو عامرة
الخيمة التي في الغرب كانت خيمة"عمر عفيه"
و واحدة منها خيمة زور تمر باشا المللي
و الخيمة التي في جهة الشرق، كانت خيمة دلال بيت والدي،
خيمة دلال مقفرة كمقبرة مهملة،
مهجورة خيمة حبيبي، أيتها العشيرة الباطلة، ألا يوجد فيك
أحد يمتلك نخوة أن يشد يدي و يرميني تحتها، لأرى قبل مماتي
انني كنت امرأة لحبيبي دلال تحت خيمته العتيدة؟
سأقول أيها المسافر تعال إلى المضافات، إني أستضيفك
أيها الحبيب،
آه يا أماه
سأقص ضفائري الطويلة، ضفائري المحناة،
سأعمل فيها المقص و أجعل منها عصبة أشدها على جبين دلال,
سأجعل من أطواقي الذهبية – المحمودية5- رسناً ومقوداً
لحصانه،
سأخلع زوج الخلاخيل من قدميّ، و خزام أنفي
و أجعلها حدوات و مسامير ناعمة لقوائم حصان فارسي
سأضع ركبتي على ركبة حبيبي، و أتحدث إليه
و كلما هاج قلبي، سأضغط ملء قوتي
سأضغط بقوة لو وضعتها على المرمر لحفرت فيه
عمق شبر و أربعة أصابع
سأجعل الدم القاني بين ركبتينا قطراناً أسود
و سأبقى ألاعبه حتى انبلاج الشفق، و ضباب الصباح
حتى تسمع أصوات خض اللبن في القِرَبْ
سأفتح له تخوم صدري العاجي الأبيض، و أبيح له،
حلالاً كحليب أمه.
مع كل أصوات الصباح
و ركض أرائمنا الثلاث قرب البيوت، تلك التي كانت ترقص
في ركضها، واحدة من أجل حبيبي دلال، و اثنتان لأصدقائه
و أحبته مع كل تلك الأصوات و الحركات سأقول دلال
أيها المسافر تفضل إلى المضافات، لأستضيفك يا حبيبي
آه يا أماه
لتحرم عليّ كل الملذات
و لن تكون عيني على أحد من الرجال و الفرسان بعد دلال
و لن أفتح أربعة و أربعين زراً في قميصي لأحد
الى أن يوضع رأسي بين شواهد الحجر و تراب المنحدرات
إن قلبي ليجمح بشدة، قلبي يجمح يا حبيبي
لا هو قوس فولاذ، و لا هو حجر
و لا أنا أستطيع أن أكون فرساً مما خلق الله
في عنقها أجراس
أو ذيلها مثقل بالشراريف6
لا أستطيع المكوث في الاسطبل مربّطة
و سأبقى أجمح في قيودي و أثور
ساعة يتعالى صياح الفرسان، و أنين الجرحى
و يتصاعد صليل السيوف، في خيم البراري الجنوبية
سأكون خير طبيبة لك و حكيمة
ان قلبي لجامح، قلبي جامح ياأمي
لست أدري ان كنت بتولة عذراء أم امرأة ذات بعل
أنا منتظرة التياعات دلال العنيفة
كيمامة حرة، أنقر بمنقاري، و أحجل بقوائمي حجلاً
على قمة جبل عبد العزيز و صخوره
أنا سند لك، أيها الحبيب دلال
في ساعات المحن
حين اشتداد صرخات الفرسان، و أنين الجرحى
أنا قوة في ظهرك
عالية هي الجبال، كم هي في العلاء هذه الجبال؟
من فوقها مبللة بالضباب
و تحتها الدخان و الأبخرة تسوح
نظرت إلى جرح قلبي، كان عميقاً
يمد شروشه إلى أعماقي، و نقي عظامي
لم أعثر له على بلسم أو مرهم أو علاج
مامن علاج سيكون لهذا القلب الكسير
آه.. يا دلال
لو أني رأيتك قبل الممات، تجيء ضيفاً إلى بيتنا
لشمرّت زنودي
و ذبحت لك خروف الحظيرة المدلل،
سليل الكبش الشهير في القطيع، مولود الشاة الأصيلة
و لو أن والدي، ذات صدفة، سألني
أين خروف الحظيرة المدلل "عديتي7 "يا
لقلت له، أبتي، حين اشتد الزمهرير في أربعينية الشتاء
كان الليل حالكاً، و السلوقي متأهباً في عقب الكلبة، الحارسة
التي كانت مشغولة بسعير شهوتها، عن القطيع
الذئب كانت جائعاً و مهتاجاً
و الراعي كانت نؤوماً، لم يُعد الخروف مع القطيع
هكذا سأقول لوالدي
و أعطيه اجابتي القاطعة يا حبيبي.
آه... يا أماه
قبل أن أودع ضيف مضافة والدي
سأشمر زنودي البضة
و أعد فطور الصباح بنفسي، من أجل حسرات و التياع قلب
دلال سأعد له منسفاً كبيراً، أغمره بمؤونة بيت والدي
كلها من السمن و الدسم
و قد لا يرضيه هذا، سأمد يدي إلى عبي، و أخرج منه المشرط
مشرط الانتحار- القاتل- ساعة اليأس من الدفاع عن النفس
سأفتح أربعة و أربعين زراً في صدري
و أمد السكين الى حلمتي، أقطعمها،
و أضعهما على المنسف هبة لشرف دلال، حبيب بيت والدي
و بعدها
قبل أن أودعه
و بعد أن يتناول فطوره
سأسرع إلى " أوجاق8 " القهوة
و أعد له قهوة مرة، بيدي
أحضرها له في فنجان ذي صحن ذهبي،
أضعه على كفي المحنّاة
و أقدمه إلى حبيبي
و عندما سأحضره إليه، و أقف أمامه
سترتجف يداي، و أرتبك
*****
لست أدري ياأماه
أَمِنَ الخفر، أم من الإرتباك و الخجل
أم بسبب عمى العشق
ترتجف يداي و تهتز ركبتاي
فتندلق القهوة على عباءة حبيبي
آه... أيها الضيف المسافر
بعدك فلأحرم من كل النعم و الأمجاد في الدنيا
*****
سأقول آه
أنا المفروطة العقد، المكسورة العنق
أنا التي لا سلفة لها أو حماة
أنا التي تبددت أصابعها العسلية، و ذابت كالشمع
سآخذ معي أربعين فتاة من فتيات الموصل
و أربعين لوحاً من صابون" الرها"9
و سنتجه الى فراتنا الهدار
سينفذ كل الصابون
سيمّحي لون الحناء من كف الصبايا الموصلليات
و تميل الشمس الى الغروب
دون أن تزول بقعة القهوة من عباءة حبيبي
و تبقى ملطخة بآثار البقع التي خلفتها يداي
*****
آه ... أقول آه
إن قلبي قد مال و انحنى
وامتدت جراحاتي الى أعماقي الملتهبة
غبش و ضباب أمام عيني
لست أدري ان كان دواراً أصابني
لقد مضى أربعة عشر يوماً بلياليها، على غياب دلال عن
خيمة والدي
ليتني أراه عائداً، ليحل ضيفاً عليّ
*****
مازلتُ واقفة أمام الشبابيك و الكوى
أنتظر قدومه
رأيت – أو أنه بدا لي – في عمق السهل الفسيح، الذي
لا حدود لاتساعه
أعمدة الغبار المتصاعدة إلى السموات السبع،
عائدة لتوها فوق رؤوس أصحابها
كأنها تسند السماء على الأرض
رأيت ياأمي
ثلاثة فرسان قادمين،
كان أوسطهم دلال، حبيب بيت والدي
مسرعين على الطريق
فرس الأخير منهم، شادّة ذيلها على جنبها
كانوا مسرعين كثيراً
هبطت السلالم، و نزلت من المضافة
و رأيت وصولهم
و ركضت الى الهدمان، و قلت تفضل
تفضل أيها الضيف الكبير
لقد ربطت الهدمان، بيدي هذه، في الاسطبل
لست أدري يا أماه
ان كان مارأيته حلماً أم حقيقة،
وهماً أم شيئاً من عمل الشيطان
لقد ربطت الهدمان بيدي
و صعدت مع حبيبي درج المضافة
و نمنا سوية في السرير، على فراش واحد
و فتحت له أربعة و أربعين زراً شامياً في قميصي
و قد قبلّني من جيدي و عنقي
و من جبيني القمري، قبلني
من وجهي الوردي الباسم
لست أدري ان كان ما رأيته حقيقة أم حلماً
كذباً من أكاذيب القدر، أم شيئاً من عمل الشيطان
إذ فجأة، و كأنه في غفلة مني
رأيت نفسي وحيدة في السرير
و قد اختفى فارس الهدمان من جانبي
لم أستطع أن أفهم ما جرى يا أمي
فإذا كان ذلك حلماً من أحلام الليل
أو شيئاً من عمل الشيطان
فلماذا كانت مفكوكة أربعة و أربعون زراً شامياً في قميصي
و لماذا المكان الذي قبلني فيه دلال، ملتقى نهديّ
معلّم ببقعة حمراء، تدل على قبلة تمت لتوها
أحدث كل هذا من تلقاء نفسه؟
يبدو يا أماه، أنهم قتلوا دلال
أو أنه جريح مثخن
آه يا دلال فلأمت بعدك يا حبيبي
*****
سأقول دلال، و أقول دلال
يا أمي سأبقى أقول دلال
من يبشرني بأنه حي على قيد الحياة
سأمنحه مكافأة الخبر الطيب
الخبر الذي أرتقبه
سأمنحه على البشرى التي أنتظرها
مهرين أصيلين لفرس والدي الأصيلة
ليطارد بهما الأرائم حول البيوت
في حر الصيف عندما يعقد زهر الرمان
و حين تسمع أصوات مناجل الحصادين من البعيد
و يتعالى صرير جنادب تموز
و ليبحث بهما عن الصيد أينما شاء على مدى ثلاثة أيام متوالية
دون أن يرى عليهما نقطة عرق، أو أثراً لتعب،
و إن لم يرض فسأمنحه سبع طواحين لوالدي على ماء " نصيبين"
و ان لم يرض
فسأعطيه أربعة قصور من قصور والدي في مدينة" نصيبين"
و إن لم يكتف بالقصور
فسأعطيه معها من الخزينة، ألفاً و خمسمائة ليرة ذهبية عثمانية
*****
قال كهل منجولي:
يابنتي، انهم لكثر، اولئك الذين يقال عنهم دلال،
في ساحات البراري الجنوبية، على أرض المعارك
و الكثيرات من الصبايا و العرائس، ينتظرن كان منهن" دلالها"
قولي لعمك أوصاف" دلالكِ" فسأخبرك عنه، و أعطيك بشراه
عندها، قالت المعذبة عدولة:
يا عم، ان قلبي قد جنّ، قد جنّ قلبي
و أنزلت المصائب به من هموم الإنتظار
و امتلأ بالجراحات من شدة المصائب
إن مصائبي عميقة و مسمومة،
التهبت جراحاتي و تقيحت
دلال بيت والدي، ذو شارب حنّائي، غامق، مفتول كالجدائل
في رمحه خمس عشرة فقرة و مفصل
مزين بضفائر أربع عشرة فتاة حسناء
بهذه الأوصاف، اتجه الى ارض المعركة في الجنوب
عندها قال المنجولي:
يا بنيتي، بماذا سأبشرك؟
على مدى ثلاثة أيام بلياليها، اجتمع في أرض المعركة
فرسان سبع عشائر و التحموا
و ذلك الفارس، الذي تتحدثين عنه،
كان الأبرز بينهم و أشدهم قوة و فتكاً
و كاد أن يقضي على جميع محاربيه
إلا أننا، لجأنا الى حيلة، خدعناه بها
و نجحت الحيلة، بأن زرعنا في جسمه ثلاثة رماح
أخذت مكانها في جسده
فتحنا فيه جراحاً، لا يشفى منها
و إذا شئت فاذهبي
فربما تجدينه ميتاً، أو قد لا تجديه
قالت عدولة:
ليأخذك الله الى غضبه
بقيت أنت، لا أبقى الله أحداً منكم
و لينعق بوم أعمى في دياركم
أتنبئني بهذا الخبر الأسود، في رأس هذا الصباح؟
الهوامش:
1. كوزن شهر : اسم مكان.
2. هدمان:اسم حصان دلال.
3. مللية: نسبة إلى عشيرة .
4. اسماء مدن.
5. الذهب المحمودي : عملة ذهبية نسلة إلى السلطان العثماني محمود.
6. شراريف: وهي زوائد من الخيوط المفتولة أو نحوها.
7. عديتي : تصغير تحبب لسم عدولة.
8. أوجاق: موقد,كانون, بيت النار.
9. الرها: أورفة حالياً.
دلال
الرواية الثانية
آه.. قالت عدولة
ليتني وضعت رأسي بين شواهد الحجر و تراب المنحدرات،
و نمت الى الأبد، على أن أكون ابنة الباشاوات و السادة و الأمراء.
مضت ثلاثة أيام بلياليها
و أنا لم أتكئ على سرير أو فراش
أقدامي تورمت، من الأصابع حتى نهاية الجوزتين، كأنها
متقرحة و مرضوضة، لست أدري أمن ثقل الخلاخيل،
أم من أجراس ديار بكر، الناعمة، المعلقة بها.
عنقي محني من منبت حنجرتي حتى نهايات الأقراط المتدلية
من أذنيّ، نحلت كتفاي من حمل"السفرات" والصواني
كنت أقول يا أبتي، فلنستنجد بخمسين ألف بيت" شنكالي "1
نستنجد بأوجاق الآباء,مهد الآديين ومزارات القديسين 2
ليلبوا نداءات والدي، و يخلصوا خيمته الواسعة من حصاد
السيوف حتى لا يرفع الذي مثل عافري الغيسي، و جيل
ابراهيم التركي، راياتهم على تخومنا
*****
آه ... يا أماه
ليتني لم أذهب الى خيمة عفدي الشرقي
و لم أقل، أيها الحبيب دلال تفضل إلى المضافات،
إني أستضيفك
*****
طرحتُ أرضاً ثلاثة أرائم في مناسبة حضور دلال
واحدةٌ له، و اثنتان للأصدقاء و الأحبة
و جلست إلى جواره، جنبي إلى جنبه
و دخلت معه كل متاهات الحب
و اجتازت يده تخوم صدري، عابرةً عقود الذهب و المرجان
و أطواق العقيق و الأحجار الكريمة
دخلت معه المتاهات و أحاديث الحب
و أشياء القلب و شؤونه
*****
آه يادلال، آه
أنا التي كان عليّ أن أموت قبل الكارثة
أنا المفروطة العقد، المكسورة العنق
أنا التي بلا سلفة أو حماة
سأقول آه في قدوم دلال، في ارتجاله سأقول آه
حين وصل دلال دار الباشا المللي
خرجتُ إليه بكامل زينتي و هيئتي الكرمانجية
تبرجتُ، و تزينت كصبايا مدينتنا أورفة
و حملت الفنجان الفرافري، وضعته على ظرف فضي،
و صينية ذهبية و قدمت القهوة اليمنية لحبيبي
على كفي المحناة و أصابعي العسلية
و مع القهوة اليمنية، فتحت له تخوم صدري الملتهب
أواه يا أماه
لقد مضى مع اثني عشر فارساً من فرساننا
اتجهوا صوب سهل" بوسيليلانة"
لقد هجرني الصبر، و نفدت قدرتي على الإنتظار
لا أطيق الوحدة بعده
آه...
رأيت الناس مرتبكين، و الخيم كأنها مهجورة
كل العجائز و المسنين اعتكفوا مع الصبايا و العرائس
اللواتي خرجن من وراء الستائر و البرادي
كانت أعمدة الغبار تتصاعد من خيم البراري الجنوبية
و هناك من قال، لعلها اسطبلات البازارات الموسمية قامت
و البعض قال، لعلها سبي و اجتياح
و منهم من قال، أنها قافلة تمر، أو قطار الإبل و قطيع الغنم
و منهم من قال، انها معركة الترك و الغيسين، تدعمهما الدولة
العثمانية
أية بلية أخرى، جاؤوا بها علينا كعادتهم؟
فحملت" الدربيل"أنظر إلى الجنوب
رأيت ثلة من فرساننا
أولهم كان عليكي مستي، مشمراً زنوده حتى المرفقين
يبدو أمامه رمح النزال
لقد أشعل النار في قلبي، و أحرق كبدي هذا المشهد
إن المعركة لحامية إذاً، و ثقيلة
الكهل السبعيني يتقدم شبابنا و فتياننا الفرسان
الفارس الثاني كان " كاكيه شيخي" ند و نظير أشجع أبطال
و مصارعي الدولة العثمانية
الثالث كان بوظان
الرابع سليمان
و الخامس كان الشقيق سعدون" شقيق دلال "
السادس كان فارس ملاي، بطل ذو صيت كبير
السابع كان جيلو الايزولي، الوحيد على سبع شقيقات
ينتظرنه
إنه نجمتهن الوحيدة في هذه الدنيا، و صديقٌ حميم
لفارسنا المقدام درويشي عفدي، من الروح إلى الروح
الفارس الثامن كان كركر المللي، و التاسع مستي فرحي
العاشر كان علي ديلي " كاكيه كرخيه" فارس سهول منطقة
سرويجة
الفارس الحادي عشر كان معمي تمي
الثاني عشر كان أويسب الفارس الذي لا سيف له و لا ترس
إنه كاتب سيرة الحروب و وقائعها
حين لم أر دلال بين الفرسان يا أماه، صدقت مقتله
*****
عاد الفرسان الى بيوتهم و ذويهم
و تعالت زغاريد الصبايا و العرائس
تعالت أصوات الفرح
و نُزعت الشارات السوداء عن الخيم
و استبدلت بشارات خضراء و حمراء و صفراء
استعرت النار في داخلي
هكذا إذاً لا أحد يبالي بسواه
لا أحد لأحد هنا
كأن دلال غريب عن هؤلاء القوم
لهم الأفراح، فليفرحوا، و أنا لي الحداد و أحزان الترقب
*****
حملت نفسي، و مضيت الى الشقيق سعدون، استفسره فقال
لا تبالي يا عدولة، كوني مطمئنة
إن دلال حي، على قيد الحياة
مازال يتعقب جند الغيسيين و فرسان الترك
و يلاحقهم في سهل " بوسيليلانة" "
و في منتصف الليل سيعود الى الأهل و الأحبة
ليودع أمه العجوز، و والده عفدي الشرقي، و جموع اليزيديين
و بعدها، سيأتي
مودعاً انسياب الضفائر المحنّاة على كتفيك
فعهدنا نحن الفرسان، نقضي حياتنا في ساحات
الرجال و النزالات الكبرى، في سهول " باقيل خضر "
ثقيلة... آه يا عدية، إن البشرى لثقيلة
*****
سأقول آه.. في قدوم دلال،
في ارتجاله سأقول آه حين في منتصف الليل
تكاثر الهمس بين أصدقائه الفرسان
و انتشر الغمز و النظرات المعبرة
كان صهيل الهدمان يخترق الريح و أركان خيمة والدي،
التي لم تتسع لدويّ الصهيل
الصهيل الذي كأنه بروق الشتاء الهائجة
لم تتسع خيمة والدي الكبيرة لصهيل حصان دلال
*****
كل الوصيفات و اللوامات، عتبن عليّ
و تناقلوا القول، بأن عدولة، بعد دلال كانت هائجة
مضطربة، كأنها أصيبت بمس جنّي
قلت لهم، أيها اللوامون، لا تلوموني، و لا تعتبوا
لقد كان رحيل دلال مؤلماً، حتى أن رئتاي كانت تذوبان من الإحتراق
حين وصل دلال إلى ديوان الباشا المللي
صعدتُ إلى المضافة و قلت أيها المسافر
منذ المساء و القهوة اليمنية تحترق على نارها، منتظرةً قدومك
لأجلك القهوة كانت تفور و تحترق
حملت الفنجان الفرافري ذا الصحن الذهبي
بيدي المحنّاتين، أخذته إليه
قدمت القهوة لحبيبي بأصابعي العسلية
لست أدري إن كان الخفر أخذني
أم أن العشق أمسك بروحي
أو أني تعثرت بحذاء دلال
حين وجدت نفسي أهتز و أرتجف، ازداد اضطرابي
و تصاعد توتري
فاندلقت القهوة من بين يديّ، متناثرة على الشارة الرويسية
و عباءة دلال بيت والدي
*****
أنا التي كان عليّ أن أموت، يوماً قبل الأوان
أنا المفروطة العقد، المكسورة العنق، ..آه
اثنا عشر فارساً من فرساننا سيذهبون إلى النزال مع ألف
و سبعمائة فارس من فرسان الترك و الغيسيين
و في حمى المعركة، حين يتجندل الفرسان من صهوات
جيادهم، و يتصاعد صليل السيوف و ضجيج التروس
خوفي من أن يعتب أصدقاء دلال عليه،
ويعيروه ببقع القهوة على عباءته
اصطحبت احدى و أربعين فتاة من فتياتنا الملليات، و سبعة
ليترات3 من صابون بغداد
و اتجهت إلى نهر مورات الجامح، الذي لا ينضب
و هناك بدأت الغسيل، كما تغسل البياضات من الألبسة
كنت ألاعب ثياب حبيبي، و أقضي همومي معها دون جدوى
لم أقدر أن أنظف ثياب دلال من بقع القهوة
حملت نفسي، و قلت سأتجه الى نبع " أويدي" "
الذي ماؤه شفاف كدمع العين
و عاودنا الغسيل مرات و مرات
هدّ التعب كل الصبايا، و كاد أن ينضب ماء النبع الذي تعكر
و نفذ الصابون الذي كان معنا
دون أن تزول بقع القهوة من عباءة حبيبي، التي تلطخت بما
فعلتْ يداي و أخذت البقع تتكشف و تتسع
يا لخيبتي...
*****
من بين كل القلوب، قلبي دير يا أماه
مرة أخرى، مضى فرساننا إلى سهولنا الجنوبية
فلتشرق شمس مبشرة بالخير
تغطي شعاعاتها قمم جبل " شنكال" وسفوحه
موطن الفارس و مكان إقامته
و سهول بوسيليلانه، مرقد الإبل و المواشي الإليفة
و لتضرب شعاعاتها جدار قلعة ماردين و رويلية، كاشفة
صخور القلاع و الحصون
عابرة الى تلال " ويران شهر"مقر إقامة أبي مسلم الطبري
ضاربة مدينة السليمانية، عاصمة الحاكم، مقر رستم، الجد
لو أن تبليغاً وصل إلى الناس، و جاؤوا يقولون لي
أن دلال قادم من سهولنا الجنوبية
لحملت نفسي إلى طريقه، منتظرةً وصوله
لرأيت ثلاثة فرسان مسرعين، واضعين الركاب على الركاب في
صف واحد
و لعرفتهم من ركوبهم
أولهم دلال
و الثاني علي السنجاري
و الثالث درويش ابن شقيقة طيار
و لسمعت أنّات الهدمان تحت دلال، الذي سيكون متجهماً
و قدومه مبشراً بالخير يا أمي
و لمددت احدى يديّ الى رأس الهدمان، و الأخرى الى دلال
مشيرة إليه، ترجّل أيها الفارس
*****
آه يا دلال
لن أستعيض عنك بأحمدي بشير أو عليكي سيوير،
أو حسني زيبير لن أستعيض عنك بحمي مويسكي الذي
كان ينازل الحكم العثماني و يقول له أيها الكافر ماذا تريد من الناس
و ذريتهم؟
لن أستعيض عنك بوالدي زور تمر باشا المللي، الذي لم يدفع
منذ سنوات، قرشاً واحداً من أمواله للخزينة، ضريبة أو
خراجاً أو اتاوة
و الذي يقوم على رعاية ألف و خمسمائة فتى من شبان الكيكيين و الملليين
و يغدق عليهم بلحوم الضان و أرز"قراج داغ " 4
آه .....يا أماه
إن دلالي، هو سليل عفدي الشرقي
عفدي الشرقي الذي وضع تحت ظل رمحه، كل الأرض
الممتدة من تخوم صالح سيد آغا الكردي، و سهل بوسيليلانه
حتى تخوم الغيسيين، الى جهة " عبد العزيز" تخوم حيدر وجبر
ثلاث و ثلاثون سنة، قضاها في الحروب و الوقائع، في المعارك
و النزالات و لم يحن رأسه أمام أحد من الغيسيين أو الترك
*****
حين سيترجل دلال
سأهبه قبلة من استدارة عنقي
و أغمر فمه بحرارة وجهي
و بعدها، سأعد له فراش " بورصة "5 وأمد الشرشف
الخراساني عليه، و أقول تفضل أيها الضيف بالجلوس
سألف سيجارة من تبغ " موش"6 وأضعها بين أصابعه
سأتناول بأصابعي الصفراء الزيتونية، جمرة ملتهبة، لأشعل له
السيجارة،
سأصيح، آخ يا دلال، احترقت أصابعي
دون أن يقول دلال بيت والدي، ماذا بك يا عدولة
*****
شديد صيفنا، هائج شتاؤنا، و خريفنا منهمر
ربيعنا طيب وافر ياحبيبي
فلتجيء، و تمسكني من جدائلي، تشدني إلى جنبك على الهدمان
و ليسرح على قمم جبل " بيزيد" على ضفاف الأنهار
و السواقي، ليسرح فرحاً هدمانك
و ليقولوا في الإحدى و الثمانين عشيرة كردية
اليوم، عدولة بنت الباشا المللي، صار لها بعل تحت خيمة
عفدي الشرقي
وقتها، فليحملوا لأجلي، بدلاً من عدة العرس و أشياء العروسة،
ليحملوا فأساً و رفشاً، و ليسخنوا لي ماء الموتى أمام
ديوان الباشا المللي، لأضعة رأسي في مقبرة " شنكالنا " الجنوبي
يوماً قبل الأوان
آه يا دلال
لتكن لك الجبال، و لي المرتفعات و هضبات الطبيعة
ليت الله استجاب لمراد الجميع
و استجاب لمرادي و مراد دلال
و بعدها لا بأس، أن يأتي عزرائيل، ملك الموت، قاصد مالك
الفلك، و يأخذ أمانته مني و من دلال
أيها اللوامون لا تلوموني، إني أتلاشى، أذوب
كلما ضربت عيني على عشيرة المللين،
على الهدمان و بياض صدره، أو شراريفه و أجراسه
مشردة أنا، لا بيت لي و لا بعل
لست بيازة علو، و لا فاطومة حمو، أو ليلى بنت خضر
انا ابنة عم أويسبي علي، ابنة الباشا المللي، كاللبؤة أنا
يا أماه
لو أن أحداً لم يذهب مع دلال إلى نزال الترك و الغيسيين
سأمتطي فرساً أصيلة و عنيفة، و أحمل رمحاً ذا ثلاثة مفاصل
و أربع عشرة فقرة، و لأمت قبل دلال
سأشد ظهره، أنا سنده وقت الشدة، سأدفن كل الجبناء في
سهل بوسيليلانه برمح عفدي الشرقي
*****
أموت بآلام دلال
تنتابني البردية و الحمى
أقف أمام مرآتي و أدوات الزينة
أروح و أجيء قلقة، أمام ديوان الباشا المللي
أنتظر قدوم دلال
و لا أقطع أملي منه
ليس قلبي فولاذاً، و لا قوساً من حديد
ليس همّ الآخرين إلا مال و ممتلكات الدنيا
و أنا همي حمى العشق، و اشتعال القلب ياأمي
كان على قمم" قراج داغ " ثلاث خيام منصوبة
احداها خيمة " عمري عدي" وأخرى خيمة والدي
و الثالثة كانت خيمة درويشي عفدي، طالب روحي و يدي
واسعة، يسندها ثمانية عشر عموداً
خاوية، كمقبرة العشيرة
و لا أحد هنا يمتلك نخوة أن يشد يدي و يرميني تحتها
لأرى نفسي امرأة و سيدة في خيمة حبيبي، التي هي لي
مثل مزار أبي مسلم
لست عليلة، أو سقيمة
لست محمومة، أو مريضة بداء الريح أو السل
أنا مريضة دلال
دلال الشرقي، درويشي عفدي، هو طبيبي و حكيم نفسي
*****
من كان سيقول، و من كان سيسمع
آه...
لو أن مجاعة حدثت، و ارتفع كيس القمح إلى مائة و عشرين
ليرة ذهبية حينها، فليأت دلال على هدمانه إلى سهل
بوسيليلانه
و ليلعب و يتجول حتى التعب
و ليأت، و يسترح في بيت والدي
سأمد له بسط و لبادات " قارص" وفراش" بورصة "
و إذا طلب مني طاسة ماء، فسأقدمها إليه و أقف أمامه
و ليمد يمناه الى طاسة الماء
و يسراه الى تخوم صدري، ما بين عقود الذهب و المرجان
و لتسمع أصوات ارتطام الصدف الكريمة على الأرض
و رنينها
و بخبث، لكنت تملصت منه قليلاً، و عضضت له شفتي
*****
آه...
حين تعبت عيناي في الإنتظار، و التبصر في الطرقات
رأيت فارساً قادماً من البراري الجنوبية، شاقاً غبار الطريق
يقال له" حاس عباس " فارس منجولي أزرق الركبة فحملت مغزلي " الموشي"
ذا الخطاف الذهبي، و اتجهت الى معبر
طريقه و قلت:
أيها الفارس، إن قلبي لمجنون، مجنون، جريح من الجراحات
متلوع من الحسرات، مهموم من الهموم
لقد تقيحت جراحاتي كلها، مضت ثلاثة أيام بلياليها
وعدولة باشا المللي، تصرخ و تنوح، الأرض تسمع و السماء ترفع
لأن دلال لم يعد من خيم البراري الجنوبية، و لا تدري أهو حي أم
أم جريح, فبشرني ببشراه أيها الفارس.
قال الفارس:
أيتها العروس، إنهم لكثر، هؤلاء الذين يقال لهم
في سهل " بوسيليلانة" أنهم " دلالو الدلالات""" دلال
كثيرات هن، اللواتي ينتظرن، كل منها دلالها
هناك دلالون، شُلت أرجلهم و أيديهم
و آخرون، فروا عبر المضائق و الممرات
و منهم جراحاتهم بعمق أربعة أصابع
و هناك دلالون، على مر ثلاثة أيام بلياليها لم ينزعوا درعهم
و لم يلقوا سلاحهم، فقولي أوصاف دلال الذي تقصدينه
قالت عدولة:
آه، أيها الفارس
أوصاف دلالي بيّنة و جلية
يرتدي ثوباً ملصياً, ودرعاً داوودياً, عباءة عساوية7,كاشفة
اللون، أزرار قميصه فولاذية، يضع زناراً مكاوياً , وشرواله
مقلم على رأسه شار رويسي, مقطب في الوسط , خيوطه
مغزولة بأيدي أربعين فتاة مللية
شاربه حنائي غامق كريش اليمام، مفتول على خديه
شاربه سوسني داكن بحنّاء أورفة المحروقة
"هدمانه "جامح، جنباه غزاليتان، حافراه مقلّمان، و سرجه
مزين بالشناشيل و الشراريف، سرجه " أرضرومي ", وركابه
برونزي، سيف دلال عنيف لمّاع، و رمحه فتاك، مزين بضفائر
ثلاث حسناوات
قال الفارس :
أيتها العروس، إن الفارس الذي تقصدينه هو سليل عفدي الشرقي،
إنه درويشي عفدي، حامل السم الزعاف و الكأس الملطخة بالدم
كاسر هيبة الفرسان
و إن حصيت الجرحى و القتلى في سهول بوسيليلانه، فتأكدي
أن نصفيهم من صنع يديه
كم من عروس ترملت، بما فعلت يداه، و عادت إلى بيت ذويها
و كم من نار أطفئت
نصبنا له حيلة، و جعلناه يختار النزال في أرض مليئة
بأوكار الجرذان و جحور الفئران
فتكسرت قائمتا حصانه الأماميتان، و تجندل أرضاَ
إن دلال الذي تقصدينه جعلناه يتجندل في المعمعان
فلتذهبي إلى الميدان، و تري بنفسك، حال دلالك
رميت المغزل الموشي ذا الخطاف الذهبي
و اتجهت جنوباً إلى سهل بوسيليلانه
و حين وصلت هضبة" الإيزوليين" وعبرت ميدان الفرسان
و تخومهم رأيت دلالي جريحاً
و قد تفرق فرسان الترك أمام فرساننا
و عافر الغيسي مطروح تحت رمح الشقيق سعدون
آه يا أماه
منذ الصغر، و أنا أعرف هؤلاء " الشرقيين " أنهم فرسان ذوو رماح فتاكة
منذ أيام" معمي" و " عفدي " وكل أسلافهم
حتى الآن لم يحنوا رأسهم أمام أحد
في كل الحروب و الوقائع
في كل المعارك الضارية، ما كانوا يعودون خائبين
اليوم فقط، بحيلة نكراء، بجعل دلال ينازلهم في أرض
جحور الفئران قطعوا الفرصة أمامه، و أصابوه في مقتله
لقد رأيته في جراحه
ستة منها كانت مضمدة قبل يوم أو يومين من مقتله
شاربه مكسور على شفتيه و كأنه أدرك الحيلة متأخراً
في منتصف صدره كان جرح عميق و نازف
كانت بقع الدم الكثيفة تغطي درعه و عباءته
حين مددت يدي إلى جراحه، كانت طعنة حاقد أعمى
عرفت أن الذي طعنه، حاقد من أعماقه، على فارسنا
*****
آه..
قم، أيها الحبيب دلال، أنا هنا، فلتقم
قامتي عروسية، لأجلك ياحبيبي قامتي عروسية
جبيني ناصع وضّاء
حواجبي دقيقة، رموشي سوداء فاحمة
عيناي حوراوان، مكحلتان لأجلك
وجهي وردي
خداي تفاحتان من تفاح " خلاتيه" بيضاوان وحمراوان
أنفي دقيق و ناعم كمنقار طير مائي، مثقل بخزام ذهبي
شفتاي رقيقتان كورق الورد
حنجرتي ناحلة، كقنينة عطر تذكاري
ذقني ملساء، كملعقة" شمشيت"8 في مدينة الشام حين
توضع في ماء الحناء
قرطا أذنيّ، ذهبيان، متدليان حتى نهايات عنقي، مصنوعان
بيد المعلمين و الصّاغة المهرة في مدينة ديار بكر المحروقة
زناري فضي مزين بالمرايا
حلمتاي مخبأتان في تخوم صدري، كحبات رمان " ملاطية"
على رأسي شال " كسروانية" مزينة بالشناشيل اللعوبة
ضفيرتاي بنيتان، لأجلك تلوحان في الريح يا دلال
أنا يمامة " شنكال" الشمالي
بطة الخابور الجنوبي، اوزة الفرات الهدّار
ابنة الباشا المللي
على أرض الدنيا كلها، لست لائقة لأحد
لست لائقة بابن عمي أويسبي علي
و لا بمحو باشا ذي الركاب الذهبي
لست لائقة بكل فرسان الملليين
و لا ببلال ذي الرمح، أو مستي الجلخي
لست لائقة بعافر الغيسي أو جيل ابراهيم التركي
ما أنا لائقة إلا بابن عفدي الشرقي
لشارب دلال السوسني الغامق
و بعد دلال، أنا لائقة لمقبرة " شنكال " المحروقة ل ،
للقبر المدلهم المظلم
*****
فلأمت يا حبيبي، بعدك لن أدير شؤون بيت أحد
لن أعد القهوة اليمنية لأحد، و لن أحملها في ديوان
الباشا المللي الى أحد
عهداً، إني لن أحقق مراد أحد معي
و لن أزين قامتي العروسية لأحد
و لن أنوح على مهد أو سرير طفل ذات يوم
سأصعد قمم الجبال، و صخور المنحدرات، و أنده دلال
و أنوح
سأجوب البراري و أقول دلال، و أصدح ملء صوتي، مع
دموعي الدامية
سأقول دلال، عهداً لن أفتح لأحد أزرار صدري الشامية
آه ...
سأبقى أقول دلال، يا ضيف بيت والدي
سأصعد الأماكن الوعرة، و الجبال العالية، و حين ستطير
اليمامات و أسراب الحجل، سأقول دلال
مع صوت أساور يديّ، و رنينها، حين ألوح بهما، سأقول دلال
مع أصوات المؤذنين و تكبيراتهم
و صفير الرعاة و أصواتهم في الجبال و البراري
سأقول دلال، و أنده ملء صوتي دلال
بعدك لا أريد الحياة، و لأمت
سأضع رأسي على شاهدة حجرية
و أصبح ضيفة و عروسة الفرسان.