
عندما تتجسد عند المرأة روح الكتابة تكون حذرة بعض الشيء عما يجول
بخاطرها فتثير حفيظتها المخاوف من القاريء غير المتأمل الشاعرة خلات
أحمد تمتلك طاقة في تفجير اللغة من أجل إيصال مفاهيمها عبر الكتابة
وبجرأة الى أبعد نقطة .
ففي مجموعتها الشعرية ( أوشحة الفجر ) تمكنت من تطويع عامل اللغة لخدمة
النص الشعري بإتقان وحرفية بعيدا عن الاسفاف الذي يقع في شباكه العديد
من أدعياء الشعر .. وإذا ماعلمنا بأن الهم الأنساني مرتبط إرتباطا
جذريا بأدب الشعوب وثقافتها نجد بأن هذه المجموعة كانت بمثابة صرخة
تلاقف صداها القاريء بكل ماتحمله من إرث ثقافي وإجتماعي وحضاري فأثارت
وجع القصيدة حتى تخضبت كلماتها بمداد القهر والحرمان ورفض كل أشكال
الظلم الذي ساق الشعور الانساني الى آفاق وفضاءات أخرى معلنا بداية فجر
جديد مرتديا أوشحة الأمل والنقاء والحرية ..
أن نصوص الشاعرة خلات أحمد تكاد تكون مغلفة بأنين الكلمة ونزفها
المستمر لما تتخلها من هموم وآلام أصبحت جزءا من حياة الأنسان في كل
بقاع الارض فأحرقت بعفويتها وصدقها سواد الاقنعة ففي مقطّعتها الموسومة
بـ ( مستلقيا في صباحي ’ منساقا الى الوعول ) نقرأ ( الصبح يمسح أعين
بائعات اللبن ـــ يخفق الريح كتانهن الابيض ــ يمتص الماء من لبنهن
وخطواتهن ــ خطوط مستقيمة على قياس الطلقة ــ تشطر الهواء المار
بأثوابهن ) .. فلطلقة .. بوشكين .. مسار واحد كتشبيه أما طلقة خلات
صحيح إنها مستقيمة ولكنها فتحت عيونا داخل الشق فكانت صورا ومرايا لفعل
الريح حين يداعب بائعات اللبن وهن يخبئن أحلامهن تحت عباءات الصباح ...
لتحيل المساحات المعتمة والبقع الموحلة الى بياض وإعلان لأحلام قد
تتحقق يوما ما بالمطاولة والصبر وألامل المعقود على حاجب شمس الحرية
التي تبزغ في قلوبهن النقية ..
ولما كانت الشاعرة خلات أحمد رافضة ما تكنه الأيادي المسيئة خلف
الجدران .. تشويها لنسيج الحياة وتكديرا للحظات الحب والصفاء فإنها
آثرت أن تجعل من نفسها نبراسا تشع بأحاسيسها الانسانية في الدهاليز
المعتمة لتحمي الرمز من سيول الأذى وتقيه من براثن التيه (( سألملم
أطراف ثوبي ـــ إذ يمر السيل جارفا ــ لأنظف الحوض من أسماك ميتة ـــ
)) وتختم بـ (( إذا أنا أصلح للموت )) وهنا تكون التضحية جلية في سبيل
المباديء ... بالاضافة الى انها رسمت صورة جميلة للحبيبة التي تبلغ
أعلى درجات العشق للتوحد مع ومضات المحبة فتتحول المشاعر الى قيثارة
تعزف سونيتة الحياة والموت برقة وشفافية تثير في المتلقي نوازع التشظي
في النص وقد برعت خلات في إبراز هذا الجانب مما أضاف للنص ميزة أخرى ..
وهكذا تحلق بنا الشاعرة في سدمها المحفوفة بلذائذ الدهشة عبر اجنحة
التطلع ولواعج الشوق لنهيم مع نصوصها في صميم العالم ونكتشف المزيد من
أسراره العميقة وننتشي بذوبان الروح في دنان العاطفة إنه وجود زمني آخر
له أحكامه وعوالمه .. وجود مفعم بالحيوية والتناغم .. مترع بالود
والأمان لتنداح الهموم وتنحسر موجات الألم في زوايا فسيحة فهي هنا
لاتغادر زمنها الغافي على هدب الشواطيء الحالمة .. لكنها تنتقل من زمن
الى زمن ومن حالة الى أخرى متطلعة الى الانبعاث والتجدد لتغتسل بخجل
الشرق حيث تنتمي ( لازال في عيني خجل الشرق ) تقولها بصدق وعفوية لتعبر
عن ماهيتها ومرجعيتها الروحية رغم الغربة التي تعيشها .. وهنا جاء نصها
( الحناء على كاحلي ) لتعلن تطوافها اللا نهائي في دوامة الفوضى
الأزلية التي وجد الانسان نفسه عالقا في جنباتها فلابد من إرادة حاسمة
توظف كل ذرات البناء المادي والمعنوي لها لتشق الطريق الى ذرى الحقيقة
السامقة .. وقد أذكت النص بعطر الانوثة ليكون وقعها أكثر تأثيرا على
المتلقي ( أصرر له الحكايا ــ وأسند عطره إذ يميل ـــ .......... ـــــ
أوزع صبري على المكان ــ بي بعض من النعاس الوديع ــــ ...... ـــ على
كتفي البريتين ــ تستريح قرى الشمال وأغاني الحصادين ــــ يسكرون من
وهج التراب ــــ دوامة الغبار ـــ خلف كومة من القش ـــ تشعل الرغبة في
رؤوس أناملي)) .. فأنثى البراري تتميز بالقوة والرقة والخصوبة وهي
الوجه الآخر للآرض بل تكاد لاتميزها عنها تثير في الرجل كوامنه وتمنحه
القوة والقدرة على الدفاع عنها .. ولكنها بالمقابل لاتقل إدراكا وقوة
عنه إلا عندما تشاء هي..
إن قضية الشاعرة خلات أحمد الأساسية هي إبراز الجوانب الخفية لدى
المرأة بكل تناقضاتها وعنفوانها وتمسكها بالارض ودورها في بناء المجتمع
بأسلوب شعري
رصين ومميز وهي تحاول أن تورث في القلب حب الحياة والحقيقة والخير
والجمال وتؤصل في العقل الألتحام مع الوجود والأنس به ففي نصها الموسوم
بـ ( ثمة قمر يطفو ) نقرأ ( توقفت أعمارهم ــ الخطوط السوداء الرفيعة
ــ غافلت غيابي ــ تختلط علي أصواتهم ــ لم تعد الأساور الملونة تناسب
تكورات ريما ــ ثمة عذوبة إجتازت أجسادهم ــ تغيروا أخوتي الرائعون )
.. أما في مقطّعتها ( أوشحة الفجر ) أخذت منحىً
ميتافيزيقيا جديدا حيث إقتران الخطاب الشعري بالمخيلة لدى الشاعرة
أحدثت نوعاً من التزاوج بين الذات والألم .. الحب والحياة .. الحلم
والحقيقة .. فغدت الصور الشعرية تتعاقب على إمتداد النص لتذهب بنا الى
آماد قصية في رحلة روحية ممتعة تنزاح مفرداتها عن دائرة المكان حيث
تقول ( أوزعك على جهات الأرض ــ وجع عذارى في تفتحهن الأول ــ على أسرة
تعد لليلة واحدة ــ على أزقة البرد في أوروبا ــ أدفء لياليهن بمحارق
تاريخك ) ..
أوشحة الفجر مجموعة شعرية تستحق القراءة مليئة بالمشاعر الانسانية
وطافحة بأحاسيس رقيقة بالاضافة الى إنها تمثل الثقافة الحية المتجددة
والمعبرة عن رؤى وتطلعات الانسان لتكون إمتدادا للثقافات الاخرى في
العصر الحديث.