
هيوا علي اغا
في بداية عشرينيات القرن الماضي أُعلن الشيخ محمود الحفيد ملکا على
مملکة کوردستان في جنوب کوردستان وعاصمتها السليمانية وکان ايامها
العراق تحت الاحتلال البريطاني ، ومنذ تلك اللحظة بدأت المؤامرات تُحاك
للقضاء على الحلم الکردي فأُجهضت المملکة ونفي الملك الحفيد الى احدى
الجزر الهندية .. بعدها بعقود أُعلنت اول جمهورية في غرب کوردستان على
يد الشهيد القاضي محمد وکانت عاصمتها مدينة مهاباد في شرق کوردستان لذا
سميت الجمهورية في الادبيات التاريخية السياسية ب ( جمهورية مهاباد ) ،
بعد عام تقريبا دخلت الجمهورية ضمن مخططات المصالح الدولية والمساومات
بين المعسکرين الاشتراکي والرأسمالي حيث کانت الجمهورية مدعومة من
المعسکر الاشتراکي ممثلة بالاتحاد السوفيتي السابق فقام الاخير ببيع کل
تعهداته للدولة الکوردية الوليدة مقابل بعض الامتيازات في الاراضي
الايرانية ، وأُجهضت الجمهورية وأُجهض حلم الملايين من الکورد واعدم
قائدها الشهيد الملقب ب( پيشوا ) اي القدوة بالکوردية ، وحقا کان قدوة
في کل اعماله ، حيث انه عندما اقتربت القوات الغازية الشاهنشاهية
الايرانية من حدود الجمهورية قام بتسليم راية کوردستان الى الخالد ملا
مصطفى البارزاني مطالبا بالمحافظة عليه واعلائه على جبال کوردستان
والمحافظة على الثورة تحت تلك الراية ، وعندما طلب البارزاني من (
پيشوا ) ان يأتي معه ليلجؤوا الى احدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي مؤکدا
عليه بانه وقواته التي کانت معه من جنوب کوردستان سيفدونه بحياتهم ..
رد القاضي الشهيد بانه يريد ان يموت بين شعبه وان يفدي هذا الشعب بنفسه
لانه ان لم يتم القاء القبض عليه ستکون هناك مجزرة بين ابناء الشعب
الکوردي من على ايدي القوات الفارسية الغازية ، وطلب من البارزاني ان
يواصل المسير ويحافظ على الثورة .
بعدها بسنوات وبعد عودة البارزاني من الاتحاد السوفيتي واعلان
الجمهورية العراقية على يد الزعيم عبد الکريم قاسم ودعوته للبارزاني
بالعودة ، بدأت المؤامرات تُحاك من قبل الاطراف البعثية في الدولة
للايقاع بين البارزاني وقاسم ، وکذلك شخصية قاسم نفسه التقلبية کان لها
دور کبير ، مما ادى الى اعلان ثورة ايلول في 1962ودخول کوردستان في
مرحلة اخرى من مراحل الثورة واستمرت هذه الثورة مع تبدل الاوجه
السياسية في بغداد ، حيث ان ذهاب حکومة ومجيء اخرى لم يبدل من تعامل
العقلية الحاکمة في بغداد مع المطالب الکوردية حتى وصل الامر ان اعتلى
البعثيون سدة الحکم للمرة الثانية في 1968 ولکن هذه المرة بصورة ابشع
من الاولى ايام عبد السلام عارف .
ومنذ يومهم الاول بدأ قبضايات تکريت الذين تولوا الحکم في بغداد بزيادة
نار الحمم التي کانوا يصبونها على کوردستان ، ويقابله زيادة في الاصرار
الکوردي في مواجهة العدو الى ان وصل الحال بالبعثيين ان يعلنوا الهدنة
والمفاوضات لمناقشة المطالب الکوردية والتي کانت وقتها تتلخص في الحکم
الذاتي للکورد على کافة اراضي کوردستان وتکون عاصمتها کرکوك والتي
وصفها البارزاني وقتها للقيادة العراقية بانها قلب کوردستان في اشارة
على عدم اعطاء اي فرصة للمفاوضة على شبر من کرکوك والمدن الکوردستانية
الاخرى ، وبعد توقيع الاتفاقية باربع سنوات والتي کانت هي المهلة التي
اتفق عليها لوضع الاتفاقية حيز التنفيذ قامت الحرب مرة اخرى في
کوردستان بعد استغلال البعث لتلك الفترة لحياکة المؤامرات ضد الثورة
والعمل على تقوية صفوف جيشه الذي کاد ان ينهار امام قوات الپيشمرگه ،
وبعد اکثر من عام على الاقتتال بدأت حکومة بغداد تکشف عن عدم استطاعتها
الصمود امام قوات الثورة فلجئت الى حليفاتها في امريکا والعالم ، مما
ادى بوزير خارجية الولايات المتحدة وقتها ( هنري کيسنجر ) ان يقوم بوضع
خطة للاتفاق بين ايران والعراق عبارة عن تنازل العراق الممثل بالطاغية
صدام عندما کان وزيرا عاديا ، عن نصف حقه في مياه شط العرب وبعض
الاماکن الحدودية في مناطق خانقين ومندلي وغيرها الحساسة والاستراتيجية
، الى شاه ايران والتي کانت بنود الاتفاقية من احلام الاخير التاريخية
، مما نتج عنه اتفاقية الجزائر المشؤومة والتي ادت الى تنازل الشاه عن
دعمه للثورة وانتکاسة الکورد فيها .
هذا کان واقع حال العالم امام کل کوردي يصل الى مستوى کلمة الرئيس او
الرئاسة وهذا کان ردهم على ممثلي الشعب الکوردي ورموزه ، وذلك هو غدرهم
بقياداته ، مما ادى بالکورد ان يفکر بان لاصديق له غير جبال کوردستان ،هي
الوحيدة التي ظلت مخلصة له ولاتغدر به .
ولکن اليوم وفي ( 12- 6 - 2005 ) وبعد کل تلك الدماء التي سالت
والارواح التي زهقت والالوف من القرى التي هدمت والمدن التي هجرت
والاهالي التي رحلت ، يتنفس الشعب في جنوب کوردستان الصعداء لاول مرة
حيث يتم انتخاب السيد مسعود البارزاني من قبل پرلمان کوردستان المنتخب
، کاول رئيس لاقليم کوردستان الجنوب ( العراق ) مؤديا القسم القانوني
على رئاسته مع تصفيق اکثر من شخصية عالمية وممثلين لدول وسفراء
ودبلوماسيين عوضا عن وجود اکثر الشخصيات العراقية اهمية وعلى رأسهم
رئيس الجمهورية مام جلال طالباني اول رئيس منتخب للعراق .
اليست هي من مفارقات الزمن ؟! في السابق يحارب کل من يحمل لقب قيادي
کوردي وتحاك له المؤامرات من قبل اشرس الدول قوة في العالم حيث ان
الشعب الکوردي هو اول شعب استخدم بحقه القنابل الفسفورية في سنة 1923
من قبل القوات البريطانية المحتلة للعراق وکوردستان ، واليوم يجلس
مندوبها في پرلمان کوردستان مصفقا ومبارکا لرئاسة کاك مسعود وکذلك
الحال مع امريکا کيسنجر وايران والعراق ، والمفارقة الاخرى ان يکون
الرئيس العراقي حاضرا وهو کوردي ايضا نعم رئيس عراقي کوردي والمفارقة
الاکبر ان يتم في سنة واحدة اختيار اهم رمزين کورديين الى منصبين
رئاسيين في العراق رئيس الجمورية ورئيس الاقليم .
مع کل تلك المفارقات ليس للانسان الا ان يتسائل هل تابت الاقدار ، ام
ظُلِّلَتُ الالهة ، ام ان الزمن بدأ ينحي انحانة الحق مع الکورد بعدما
کان ينحني دائما في الاتجاه المعادي للکورد .
ان ماتم ذلك اليوم وما قبله وما سيلي هو ثمرة نضال طويل من قبل الشعب
الکوردي لمقارعة الديکتاتوريات التي توالت على حکم العراق واخرها نظام
صدام المخلوع ، وهي الشجرة التي أًسقيت بدماء الالوف من ابناء الشعب
الکوردي رجال ونساء شيوخا وشباب ، وقد قال الشاعر ( اذا الشعب يوما
اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر ) وهاهي ارادة الکورد صنعت المعجزات
وجعلت ممن کانوا يخططون لضربه سابقا ويناصرون اعدائه .. اصدقاءا له .
ان تولي کاك مسعود البارزاني رئاسة اقليم کوردستان في هذه المرحلة له
الکثير من المؤشرات والضرورات ، فهو الذي ولد تحت العلم الکوردي وهو
الذي دخل صفوف الپيشمرگة وهو لم يبلغ بعد عمر الشباب ، ودخل المفاوضات
بين قيادة الثورة وحکومة بغداد حول قانون الحکم الذاتي وهو في مقتبل
العمر وقاد الجبهة الکوردستانية في انتفاضة اذار الخالدة في 1991 ،
وتوج انتصاراته بمقولته التاريخية ان الجيش الترکي اذا اراد ان يدخل
کوردستان فيجب ان يمر من على اجسادنا جميعا .
اما الضرورات فان المرحلة الراهنة للشعب الکوردي هي مرحلة جدا حساسة
والحقوق الکوردية على المحك فهناك حکومة في بغداد منتخبة اعترف العالم
جميعا بشرعيتها هذه الحکومة جائت نتيجة قانون اتفقت عليه کل الاطراف
العراقية الرئيسية وثبت فيه اکثر الحقوق الکوردية ، اليوم فنرى هذه
الحکومة تقوم بالتسويف والمماطلة لتنفيذ البنود المتعلقة بحقوق الکورد
في الفيدرالية وکرکوك والمدن الاخرى وحصة کوردستان من الاقتصاد العڕاقي
وغيرها ، مع ان هناك تسع وزراء تقريبا في تلك الحکومة ولکن رئاستها
واکثرية وزرائها من الجهة الاخرى والتي تريد ان تضع خشبة في عجلة
الحقوق الکوردية ، لذا من الضروري ان يکون في کوردستان قائد يستطيع ان
يلف حوله ابناء شعب کوردستان دون اي تفريق وان يکون حازما في عرض
المطالب الکوردية في بغداد وان يکون على دراية بخطط المقابل ونواياه .
ان الشعب الکوردي بل الامة الکوردية الکبيرة والمجزأة علي اکثر من دولة
عليها اليوم ان تفرح وتهزج ولاتنتهي من افراحها ، عليها ان لاتنقطع عن
البسمة والفرح ، نعم في عام واحد ينتصر الکورد اکثر من انتصار فبدأً من
انتصار الانتخابات ومرورا بالانتصار الکبير لتولي مام جلال لرئاسة
العراق واخيرا وليس اخرا الانتصار التاريخي ، کاك مسعود رئيسا لاقليم
کوردستان .. هل هناك فرحة اکبر من تلکن وهل للکورد في باقي کوردستان
الکبرى الا ان ينتظروا ان تصلهم رياح التغيير التي ستهب من کوردستان
الجنوب وينالوا من حقوقهم ماناله اخوتهم في الجنوب .
وقبل ان نختم اقول امام الرئيس البارزاني الکثير من من الملفات
الداخلية في کوردستان بحاجة للمعالجة قد نعود اليها في مقال مستقل
املين من سيادته ان ينظر اليها بالرعاية المعروفة عنه ، وان کاك مسعود
هو اعلم بان المثقف هو اداة الربط بين الحکومة والشعب ؛ لذا فان ما
يکتبه الکتاب الکورد حول مطالب الشعب من حکومته المنتخبة هو عبارة عن
ايصال صوت المواطن العادي الى الپرلمان والرئاسة .
وفي الختام نبارك لشعبنا الکوردي بکافة اطيافه وخاصة ابناء الانفال
وحلبجة والانفالات والفيليين والانفالات والمقابر الجماعية ونبارك
لانفسنا جميعا بتولي کاك مسعود لمنصب الرئيس وندعو الله له الموفقية
والسداد .
هيوا علي اغا
هولندا