أعتقد بأنه لم يعد مثار خلاف أو اختلاف، إن النظام السوري حالياً
يعيش أصعب وأشد مراحله تأزُّماً واختناقاً، وأكثرها دقَّة وحساسية
وخطورة. وأن سوريا بمعيَّة حزب البعث الحاكم فيها، قد باتت من أكثر
الدول المنبوذة المعزولة دولياً. وأن القرارات الأممية 1559 و1595
و1636، ما هي إلا أولى تباشير الغيث والهزَّات الممهِّدة للزلزال
الأكبر الذي قد يضرب سوريا، وما أدراك ما الزلزال الأكبر، الذي
يجعل "الأكبر" أصغر، و"الأنبل" أحقر، و"الناصع" أغبر، والحاقد أغدر،
والمستبدَّ أزعر وأظلم وأكفر...الخ. لكن، ما أظنه بأنه مثار خلاف
أو اختلاف، هو كيفية التحسُّب وأخذ الاحتياطات اللازمة التي من
شأنها تخفيف آثار وويلات وكوارث الزلزال الذي بات قاب قوسين أو
أدنى، على الشعب والبلد. بمعنى، قد أتت اللحظة التي يحدد فيها
المرء موقفه من المستقبل القريب. هل سيكون مع النظام_بشكل أو بآخر_
ضد الزلزال الآتي من الخارج، لأننا باقون بانتظار_ ولقرونٍ أخرى_
حدوث زلازل وطنية، محليَّة الصنع. وحتى ذلك الحين، لن نحرِّك ساكناًَ
حيال هذا الزلزال الخارجي الأجنبي الوارد، وسنكون متفرجين، أو
سنقاومه، وفي كلتا الحالتين، نكون مع النظام، على حساب الوقوف إلى
جانب الشعب والبلد. أو أن نكون مع البلد، وتالياً، ضد النظام.
بمعنى، أن نحاول تجنيب البلد من أية كارثة تنضاف إلى الكوارث
الكثيرة التي من ضمنها النظام الحاكم لها الذي يعتبر أبو وأم
الكوارث التي تنهال وستنهال على سوريا. أو التقليل من تبعاتها
الوخيمة على السلم الأهلي والتعايش السلمي بين الشعوب السورية،
التي تعرضت إلى شروخ عميقة، قد يلجأ النظام إلى إحداثها أو إثارتها
وإذكاء نيرانها، بغية إلهاء المجتمع بمشاكله واختلافاته وقضاياه
العالقة، بشكل سلبي، كي يبقى النظام بمنأى عن المحاسبة الداخلية،
وصولاً لإطالة عمره. وعليه، لا يمكنني أن أدرج إعلان دمشق الذي
اتفقت عليه غالبية قوى وتعبيرات المعارضة السورية، إلا ضمن هذا
المنحى أو السياق الساعي لردم الهوَّة التي خلقها النظام بين
مكونات المجتمع السوري، وخلق جو من التفاهم والتواصل والاتفاق
المبدئي حول جملة من المسائل والقضايا الداخلية التي من شأنها سد
الثغرات أمام التدخل الخارجي الذي قد يلتف النظام السوري على البلد
والمجتمع، وعقد صفقة معه، تبقي سورية في غرفة الإنعاش البعثي لعقود
أخرى من جهة، ومن جهة أخرى، التخفيف من تداعيات وتبعات الزلزال
القادم على المجتمع وحاضره مستقبله.
لقد طوت غالبية فصائل المعارضة السورية، العربية منها والكردية،
إعلانها لأجل التغيير الديمقراطي الجذري، على جملة من النقاط الجد
هامة، تتمحور في السعي لإجراء التغيير في سوريا، على أن يكون وطنياً
جذرياً سلمياً ديمقراطياً. وسأتطرق هنا إلى النقاط المتعلقة بالشق
الكردي أو القضية الكردية في سوريا. حيث تضمن نص البيان أو الإعلان
النقاط الآتية: "إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية، بما يضمن
المساواة التامة للمواطنين الأكراد السوريين مع حيث حقوق الجنسية
الثقافية وتعلم اللغة الكردية. وبقية الحقوق الدستورية والسياسية
والاجتماعية والقانونية، على قاعدة وحدة سوريا أرضاً وشعباً. لا بد
من إعادة الجنسية حقوق المواطنة للذين حرموا منها. وتسوية هذا
الملف كلياً."
أولاً – يعتبر هذا الإعلان خطوة أو نقلة نوعية نحو تكوين أو بلورة
فهم وطني ديمقراطي للقضية الكردية في سوريا، بعيداً عن كافة
المفاهيم والأطر القومية "الشوفينية" التي كانت تتبناها المعارضة
العربية السورية في تعاطيها السلبي الإنكاري حيال وجود مشكل كردي
سوري حقيقي، ينبغي الاعتراف به والسعي لحلِّه. وذالك التعاطي من
قبل المعارضة العربية في سوريا، كان يتقاطع مع فهم وتعاطي النظام
السوري الإنكاري للحالة الكردية السورية وقضيتها العادلة. فحتى وقت
قريب، كانت المعارضة العربية السورية تحاول تطويع واستثمار
المعارضة الكردية السورية لجهة التلويح للنظام بهذه الورقة الرابحة
الأكثر تنظيماً وحيوية، والأوسع تأثيراً وصداً وفاعلية. فعميد
وعتيد المعارضة العربية السورية الأستاذ رياض الترك، كان ينكر وجود
قضية كردية في سوريا. والناطق باسم المعارضة العربية السورية
الأستاذ حسن عبد العظيم، كان يتحسس حتى من وجود كلمة "الكردي" في
أسماء الأحزاب الكردية في محاضرة له في منتدى جمال الأتاسي الذي
لحزب عبد العظيم أسهم عظيمة فيه. بعنوان "الوحدة الطنية". ولحسن حظ
حسن عبد العظيم أنني كنت موجوداً، وعلَّقت على هذا الطرح "الوطني
الديمقراطي" العظيم الذي أبداه السيد عبد العظيم، فذكرت: "إذا كان
وجود كلمة "الكردي" في أسماء الأحزاب الكردية، تخلق للسيد عبد
العظيم عسر هضم سياسي، فأنا أضمن له أن تزيلها الأحزاب الكردية، في
حالة واحدة فقط، وهي أن يحذف السيد عبد العظيم كلمة "العربي" من
اسم حزبه. أما جماعة الأخوان المسلمين، فحتى وقت قريب كانت تعتبر
الحالة الكردية نوع من التواطؤ مع النظام "العلوي"- حسب رأيهم- على
الإسلام والسنة العرب في سوريا. ولازال الكثير من قياداته وقواعده،
خاصة الحلبية، تضمر هذا الشعور للكرد السوريين. وعليه، فلا يمكن أن
نعتبر اعتراف هذ الأطراف الرئيسة من المعارضة العربية السورية،
الإسلامية والعلمانية القومية واليسارية، بوجود قضية كردية في
سوريا ينبغي حلَّها ضمن الأطر الدستورية والقانونية ما يضمن حقوق
الكرد السياسية والثقافية والدستورية، إلا نقلة نوعية وخطوة
إيجابية في الاتجاه الوطني الديمقراطي الصحيح.
ثانياً – أعتقد أنه من المجازفة أو من السابق لأوانه القول: إن
هنالك منظمات مجتمع مدني حقيقية مستقلة فاعلة في سوريا. وعلى سبيل
المثال لا الحصر، المنظمات الداعية للدفاع عن حقوق الإنسان. فمجمل
هذه المنظمات مسيَّيسة خاضعة لتجاذبات واستقطابات واصطفافات الطيف
الفكري للمعارضة السورية. فجمعية حقوق الإنسان السورية التي ترأسها
الأستاذ هيثم المالح، كانت خاضعة، بمعيته، للمزاج الإسلامي "الإخواني
– التحريري". فمعروف عن السيد المالح خلفيته الإسلامية المبطَّنة
أو المستبطنة في تعاطيه مع النظام السوري من منطلق "مذهبي / طائفي"
غير معلن.
أما المنظمة العربية لحقوق الإنسان الذي يترأسها الأستاذ محمد
رعدون المفرج عنه مؤخراً، فهذه المنظمة خاضعة للمزاج القومي
الاشتراكي/العربي الـ"حسن عبد العظيمي". لأن الشيء بالشيء يذكر،
سأورد هنا حادثة بسيطة، لأنها_باعتقادي_ تنطوي على ماهية التعاطي
الديمقراطي الوطني للأخ العربي مع أخيه الكردي السوري. أحياناً،
زلاَّت اللسان تظهر ما تبطنه القلوب. ففي زيارة متعلقة بالذكرى
الثالثة والأربعين لإحصاء 1962، لمكتب الأستاذ المحامي محمود مرعي،
أمين سر المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وفي نقاش جانبي، ذكر
الأستاذ مرعي، بما معناه، :" الأكراد السوريين أصبحوا أكثر تطرفاً
منا العرب أيام الستينات السبعينات، نحن تطورنا وهم تراجعوا. وحتى
وقت قريب جداً كان أكراد سوريا والأكراد في كل مكان متحالفين مع
النظام السوري ضدنا. نحن بقينا في السجون والمعتقلات، وراح منا
آلاف الضحايا. أنا_والكلام لمرعي_ قضيت أكثر من خمسة سنين في السجن.
فماذا فعل الكرد؟!". فقلت له: يا أستاذ، لا أنت تطوَّرت تقدمت، ولا
الأكراد تراجعوا. وهل ينبغي على أكراد سوريا أن يسقط منهم عشرات
الآلاف الضحايا حتى نقول عنهم أنهم مضطهدون،و يستحقُّوا أن يكونوا
معارضة...!!؟." وهذه الدردشة كان بحضور شهود، "للأسف أنهم أكراد".
من السهل أن يطعن الأستاذ المحامي المدافع عن حقوق الإنسان في
شهادتهم على ما دار في نهاية اللقاء، على اعتبار أنهم أكراد، وربما
يتعاملوا مع المسألة وفق المنطق العربي" أنا وأخي على ابن عمي.
وأنا وابن عمي على الغريب". أما لجان الدفاع عن حقوق الإنسان التي
يترأسها الأستاذ أكثم نعيسة، هي أيضاً ربما خاضعة لتأثير المزاج
اليساري الآتي من المكتب السياسي والعمل الشيوعييَن. مآل القول: إن
الموقعين من "منظمات المجتمع المدني" على إعلان دمشق، أو تخلف
البعض منهم أمر إيجابي لم يخرج عن المزاج العام لأطراف من الطيف
السياسي السوري المعارض التي قد اخترقتها وتوجهها بما يناسب مزاجها،
إلى درجة توحي وكأن هنالك نوع من المضاربة السياسية المحمومة بين
هذه المنظمات "المدنية". بالمحصلة، حدث توافق مبدئي قد يفضي
لمشاريع أكثر وطنية ديمقراطية جامعة للفعاليات والشرائح الأطياف
السورية المعارضة.
ثالثاً – أثار الإعلان_على الرغم من إيجابيته_ الكثير من علامات
الاستفهام. مثلاً: لماذا لم يدرج الإعلان الحقوق القومية للكرد
السوريين؟. هل الحقوق القومية للكرد السوريين أمر لا يستسيغه الوعي
الوطني الديمقراطي للمعارضة السورية؟. أي دستور يقصده الإعلان،
الذي بموجبه سيتم حل القضية الكردية؟! هل الدستور الحالي أم
المعدَّل، أم الذي سيوضع بعد التغيير؟!! من سيضعه؟ وكيف من حيث
الآليات وحجم المشاركة لمكونات الشعب السوري فيه؟!.
رابعاً – أعتقد أنه الأهم من الإعلان، هو تطبيقاته العملية على أرض
الواقع. بمعنى، ليس كافياً أن تتبنى طرح التغيير الديمقراطي الجذري،
دون امتلاك مفاعيل هذا الطرح. وإلا ما جدوى الطرح دون السعي
لتفعيله وفق خطط وبرامج واضحة فاعلة تكون بمستوى أهمية الطرح
وخطورته. وعليه، كي لا يكون إعلان دمشق نوع من المفرقعات أو
الفقاعات السياسية المتعارف عليها هنا وهناك، لكي يعرف الشعب
السوري مدى جدِّية الموقعين على الإعلان عن خوض عملية التغيير
الديمقراطي، ينبغي الإسراع في تطبيق ما نصَّ عليه الإعلان على أرض
الواقع دون تلكُّؤ أو تباطؤ أو مماطلة أو تمييع، حتى لا يتحول
الإعلان إلا نعي مبكر للمعارضة السورية، بعد حالة العطالة والشلل
والعطب المزمنة التي كانت تعانيها.
ثمة نقطة من الأهمية بمكان ذكرها، وتتعلق بتحفظ بعض فصائل المعارضة
الكردية السورية على ما تضمنه الإعلان، لجهة أنه لم ينصف الكرد
وقضيتهم. أخصُّ هنا بالذكر حزبي يكيتي وآزادي الكرديين في سوريا
حزب الاتحاد الديمقراطي pyd . أعتقد أن لهذه التحفظات ما يبررها في
حال كان هذا الإعلان صادراً بعد التغيير. بمعنى، لا يمكن اعتباره
أكثر من اتفاق أولي على مبادئ عامة، أو ورقة عمل أولية جامعة للجهد
المشتت للمعارضة السورية. لا يرتقِ الإعلان إلى مستوى برنامج أو
قانون حكم انتقالي، يمكن العمل به بعد حدوث التغيير، كما جرى في
العراق بعد سقوط النظام العراقي. فهذه الأطراف المتحفظة على بنود
الإعلان قد تعاطت معه، وكأن النظام السوري قد انهار، وأتت مرحلة
اقتسام كعكة السلطة، وتحديد نسب الحصص والضمانات الدستورية لها.
أعتقد أن هذه التحفظات مبالغ فيها، ونوع من المزايدة والهروب إلى
الأمام. فإعلان دمشق لا يغدو أكثر من كونه السبيل المشترك لمن له
مصلحة جديَّة في التغيير الجذري، وليس هو التغيير الجذري النهائي
بحد ذاته.
أظن أن قوى المعارضة السورية على اختلاف انتماءاتها القومية
ومشاربها الفكرية، في أمِّس الحاجة إلى التعاضد والتلاحم والتواصل،
سيما أننا مقبلون على حقبة خطرة آتية على البلاد. فالتحفظ على بعض
بنود البيان لا يعني البتَّة عدم المشاركة فيه بشكل قوي وفاعل،
وتحمُّل المسؤوليات الوطنية التاريخية التي تقع على كاهل كل من
يؤمن بسوريا ديمقراطية حرة، في هذه المرحلة المضطربة المتأزمة.
بمعنى، عدم تأييد هذا الإعلان والمشاركة فيه، قد ينطوي على تهرُّب
من الإيفاء بالمسؤوليات والمهام الوطنية الملحَّة، في هذه الفترة
الحساسة التي تمرُّ بها البلاد.
أعتقد أن الإعلان يتضمَّن الكثير من النقاط الإيجابية النوعية
الكفيلة لخلق أرضية صلبة لوحدة وطنية، ومناخ صحي للتواصل
الديمقراطي الوطني، على الرغم من تضمنه بعض النقاط التي بحاجة إلى
مراجعة وتدقيق أكثر. لذا، أعتقد أن النظام سوف يحاول نسف أو إجهاض
هذا الإعلان، عبر اختراقه من الداخل والضغط عليه من الخارج بكل
الوسائل، ومنها التي تنطوي على نوع من الابتزاز السياسي كإطلاق
سراح البعض أو كل المعتقلين السياسيين وخاصة، الكرد منهم. لكن، ما
هو معروف سلفاً، إنه كلما ازداد واشتدَّ الخناق على النظام السوري،
سوف يفرِّغ حقده وغيَّه،و يصبَّ جمَّ غضبه على المجتمع ومعارضيه.
فالمأمول من إعلان دمشق المسارعة في التطبيق، وعدم الانجرار لأي
شكل من أشكال الضغط والابتزاز الذي قد يبده النظام لشق الصف مرة
أخرى، وتعود المعارضة للمربَّع الأول. والمأمول من كل الأطراف
والجهات المعارضة غير الموقعة على هذا الإعلان دعمه بأي شكل كان،
ريثما ترسو سوريا على برِّ الأمان. وقتها، لكل حادث حديث. ولن
يختلف السوريون مستقبلاً لأنهم لم يختلفوا تاريخياً.
دمشق / المحرر – 2 – 11 /2005