| |
|
|
من قتل الشيخ د. معشوق الخزنوي ؟
|
|
rojava.net 02.06.2005 |
|
حدث فردي جنائي ام قضية سياسية ذهنية شائكة
|
|
|
حليم يوسف
كان القتل على مر العصور احدى اكثر الوسائل انحطاطا في تدمير الخصم
والتخلص من اعباء آرائه، وقد كان دائما وسيلة الجبناء في التعاطي مع
الرآي الآخر. واذا كان ( ا لعالم المتحضر) قد حل مسآلة الاختلاف في
الرآي باللجوء الى صناديق الاقتراع وابعاد الخصم عن مراكز
القراروالسلطة، فان( العالم الشرقي / الاسلامي ) لازال محكوما باعدام
الخصم و قتله جسديا للتخلص من آعباء وجوده على سطح الارض كتجسيد حي
لاكثر الاساليب بدائية وانحطاطا بسلب الآخر، المختلف، حقه في الحياة
على الاقل. وقد جاء قتل الشيخ الكردي المتنورالدكتور محمد معشوق
الخزنوي، سليل احدى اكثر العائلات الدينية عراقة وتآثيرا و نفوذا ،
بالمعنى الديني الاجتماعي للكلمة ، في المناطق الكردية المتاخمة للحدود
السورية التركية ، دليلا آخر على استمرار ذهنية الالغاء و تدمير الآخر
من خلال قتله الجسدي.ان وقوع اختيار هذه الذهنية الالغائية الاجرامية
القاتلة على شخصية دينية متنورة و منفتحة على الآخر وتصفيتها جسديا لم
يكن من باب الصدفة على الاطلاق. بعد مرور اكثر من عام على آحداث الثاني
عشر من آذار التي بدآت من القامشلي التي حصدت اكثر من ثلاثين قتيلا ،
وتحولها الى انتفاضة كردية شملت جميع آماكن تواجدهم واستمرار تداعياتها
الى يومنا هذا، من خلال المحاكمات السوريالية بتهمة اقتطاع الاراضي
السورية ، وما رافق ذلك من تعذيب وحشي في المعتقلات ورجوع بعضهم من
السجون او من الخدمة العسكرية الى آهاليهم في توابيت. كل ذلك في ظل
استمرار قانون الطوارئ على ا لمستوى السوري و تطعيمه بقوانين استثنائية
تخص السياسة الرسمية المتبعة بحق الاكراد من حزام واحصاء وتعريب وانكار
لحق الطفل الكردي في تعلم لغته الام في المدارس . في ظلال هذا الظلم
الشنيع الواقع على قومه ، لم يجد الشيخ الكردي طريقا آخر سوى رفع صوته
في وجه الظا لمين قائلا ( ما انا الا واحد من بني قومي ..) وكان يستشهد
حينها باحد الائمة المسلمين الكبار. يشكل الشيخ معشوق ظاهرة فريدة في
تاريخ الحركة السياسية ( الكردية خاصة ) لقدرته على التوفيق بين
البعدين الديني و القومي ا لعلماني ، واتباع النهج الديني المنفتح على
الآخر، ونجاحه في معادلة الجمع بين النظرية و الممارسة على عكس طرفي
المعادلة ، حيث الطرف الديني ، لدى الكرد ، كان معزولا على الدوام ،
منقطعا عن التواصل مع المستجدات بمختلف مستوياتها، وغالبا ما يكون
معاديا لتطلعات الاجيال الجديدة المتطلعة الى التغيير والى الاندماج مع
معطيات العصر الحديث، فيكون صامتا عن قول كلمة حق عن المظاليم الواقعة
على قومهم، فيكتفي بان يكون امتدادا دينيا لسد الثغرات في جدار الظلم
الواقع على العباد ولتجميل وجه السلطة الحاكمة والتحول الى آبواق رخيصة
لها ( كما هو الحال لدى معظم رجال الدين الكرد، البوطي و كفتارو،على
سبيل المثال ) او يقف الطرف الديني على الهامش الاجتماعي و السياسي بآن
يتحول الى حركة راديكالية بعيدة كل البعد عن التعبير عن آمال و طموحات
شرائح المجتمع العريضة ( كما هو الحال لدى حركة الاخوان المسلمين و
الاكراد )، و قد سبقهم الرئيس السوري ، على كل حال ، في الاعتراف بآن
الاكراد جزء من النسيج الاجتماعي والتاريخي السوري. لقد كسر الشيخ
القتيل بمنهجه الجديد ركود الحالة السائدة على طرفي المعادلة ، فكان
يسعى لدى السلطة الى التآكيد على فكرة ايجاد حل عادل للمسآلة الكردية و
يسعى لدى المعارضة لدفعها الى تجاوز اخطائها في التعامل مع الحالة
الكردية في سوريا ( كما حدث في لقائه مع البيانوني في بروكسل )،
بالاضافة الى مختلف نشاطاته في دمشق من خلال مركز الدراسات الاسلامية.
ومن طرف آخر لعب دورا في ايصال الصوت الكردي الى الجهات الاوربية و
العالمية من خلال مساهماته في المؤتمرات وفي لقاءات الاطراف الكردية مع
بعض الشخصيات الدبلوماسية السويدية و النرويجية. وهذا ما آضاف الى
رصيده الشعبي و السياسي لدى الاكراد بعدا آخر لم يتوفر لدى غيره من
الشخصيات الدينية و السياسية ، نظرا لطبيعة شخصيته الحاضنة لمختلف
التوجهات لصالح توجه اوحد يتمثل في رفع الظلم عن بني قومه و عن الجميع
. ان المنهج الذي اتى به الشيخ الخزنوي المعتدل ، بالابتعاد عن الدخول
في الحالة الذيلية للسلطة والابتعاد، في نفس الوقت ، عن المغالاة
القومية بالانزواء في جزر قومية دون الدخول في حوار مع القومية الاخرى
، يشكل خطرا كبيرا على القوى المضادة للتغيير في سوريا. وما اصابها
بالذعر هو الخوف من ان يتوسع هذا المنهج و يتحول الى قوة عاتية تفتح
الباب امام التغيير . وقد كان الخزنوي المجتهد يعلم تماما ان ضريبة قول
الحقيقة في بلاد كبلاده هي التضحية بالرآس، ومع ذلك ظل متمسكا باصراره
على قول الحق وعلى ايصال رسالته الانسانية والتي كلفته حياته، وكلفتنا
الكثير من الاسئلة و الكثير من الحزن على بلاد مازال ثمن قول كلمة حق
فيه هو الموت .
سيناريو الاختفاء والقتل على الطريقة الهوليودية
في ديا ر بكر وفي العشرين من ايلول العام1992 دخل رجلان على كاتب و
سياسي كردي تجاوز الرابعة والسبعين اسمه موسى عنتر ، قال له احدهما (
آنت شخصية معروفة ولدينا مشكلة مستعصية، وقد لجآنا اليك لحلها، نرجو ان
تساعدنا ايها العم..) هكذا كان الاكراد يسمون الرجل ( العم موسى ).
وخرج ا لعم موسى معهم ولم يعد . وفيما بعد وجد العم قتيلا برصاصات
رخيصة اطلقت عليه باسم الله من الخلف ، لان القتلة كانوا اعضاء في حزب
يسمى حزب الله . ولكنه كان حزبا تابعا للدولة طبعا، وليس لله سبحانه و
تعالى . وفيما بعد صرخت الدولة التركية عبر اجهزة اعلامها بانها ستعاقب
المجرمين وتحاكمهم ولا علاقة لها بالامر ولن تقبل بآي شكل من الاشكال
بقتل مواطنيها و..و..ويتجول الآن قتلة موسى عنتر امام اعين الجميع
متنقلين بين تركيا و السويد و المانيا، هنا اقصد من نفذ حادثة القتل .
اما القتلة الحقيقيون ، فمن يتجرآ على تسميتهم او الاشارة الى اياديهم
الملطخة بالدماء ، طالما ان الادلة المادية،الجنائية، على ادانتهم غير
موجودة .ان سلسلة القتل مستمرة حتى اليوم و الاسماء تختلف، اما مصدر
القرار القاضي بقتل هؤلاء فهو واحد بالتآكيد. وهو انتاج ذهنية بذلت
السلطات الكثير من الجهود لترسيخها وديمومتها ، وبالتالي حصد المزيد من
القتلى و المنفيين و السجناء و الصامتين. ما آشبه سيناريو قتل الشيخ
الكردي الشجاع اليوم بسيناريوهات البارحة . ان المرء يزداد ذهولا امام
هذا السيناريو الرسمي الهزيل المفبرك على الطريقة الهوليودية ، بآن تم
استدراج الشيخ في دمشق ، و تم قتله في حلب ، وقد دفنه القتلة في دير
الزور. ان هذا الفيلم المثير للرعب يحيل المشاهد الى آحياء شيكاغو
المعتمة. فلنقرآ اذن دلالات القصة المرعبة هذه نقديا، ولنبدآ من
الاختفاء في دمشق ، حيث يستطيع الجناة استدراج الشيخ من مطعم في
المدينة، لكنهم لا يستطيعون قتله هناك ، لانها العاصمة اولا ولانها
آمنة ثانيا،وكآن القتلة اذا ارادوا لا يستطيعون تنفيذ جريمتهم في عاصمة
الصمود العربي وهم بحاجة الى الابتعاد مئات الكيلومترات لتنفيذ الجريمة،
علما ان ابعاد الشيخ المختطف يعرضهم الى خطر الملاحقة والاعتقال، لان
السلطات كانت على علم بحادثة الاختطاف بعد وقت قصير من اختفائه. اما
دلالات قتله في حلب فهي رسالة مزدوجة ، ارسلت احداها الى المدينة نفسها
ودورها المعروف في حوادث الاخوان المسلمين السابقة ، وقتل الشخصية
الدينية هذه هي هدية القتلة الى هذا المكان . والرسالة الاخرى موجهة
الى الشخصيات الدينية لكي تنتبه الى مصير مشابه في حال رفع صوتها ادانة
لما يحدث في البلاد من فساد و تخريب و سلب للحقوق. ولعل اكثر دلالات
القصة اثارة للتساؤل و ا لشبهات تتوضح في الخاتمة التي تنتهي في دير
الزور ، المدينة الاكثر اثارة للحساسيات القومية الكردية تاريخيا ،
نظرا لولائها الدائم للنظام العراقي المقبور اكثر من ولائها للقيادة
السورية، ومدى الاثر السلبي الذي خلفه هذا الولاء على الاكراد، على
اعتبارهم اكثر ضحايا ذلك النظام المقبور تعرضا للابادة والقتل. عدا عن
تجدد الوجع في هذا الجرح الكردي العميق الذي تفتق اثر المباراة (
الدموية ) بين الجهاد القامشلوكية و بين فريق دير الزور المدجج بجمهور
كان يهتف على آرض القامشلي بحياة قائدهم المفدى صدام حسين ، منقذ الامة
و بطل القادسية و يرموك، وقاهر جحافل الامريكيين و محرر عاصمة الرشيد
من الغزاة العلوج . والاكثر اثارة للسخرية هو اخفاق الممثلين الذين تم
تكليفهم بالمهمة في تآدية آدوارهم ، بعد زيادة جرعة الاثارة و التشويق
بان تم تخدير الشيخ بعد خطفه للتمهيد لعملية القتل خنقا . كل ذلك في
محاولة يائسة للالتفاف على الموضوع بتقزيمه وتحويله الى جريمة جنائية
عادية ، لاتحتاج الا الى معاقبة الجناة وسجنهم وعلى الرسول ا لسلام. و
المحزن في الامر هو محاولة بعض الجهات الرسمية بتحويل الانظار الى
الخلافات العائلية و دفع القضية في الى اكثر الزوايا شخصية بافراغها من
محتواها الاساسي المتجسد في صراع سياسي، فكري ، مع القديم بكل زخمه
القائم على الالغاء و امحاء المختلف وقتله ، وتصويرها على انها خلاف
عائلي انتهى بالقتل. علما ان تاريخ الخلاف في العائلة الخزنوية قديم
قدم توسع نفوذ هذه العائلة الدينية ، وقد استمر الخلاف بين الشيخ
عزالدين ، والد الشيخ معشوق ، وبين الشيخ عبدالغني عشرات ا لسنين دون
ان يسعى احدهما الى قتل الآخر . ومن المستبعد ان يتسبب اجتهاد الشيخ
معشوق و تمرده على السكوت عن الحقوق الكردية وشجاعته في قول الحق ، في
تصفيته على يد افراد عائلته ، وهذا ما آكدته اقوال و تصريحات ابنائه
على الدوام. وما لفت نظري هو قول احد ابنائه بانهم يعرفون قتلة والدهم
ولانه في سوريا و ليس في سويسرا، فانه لا يستطيع اعلان الحقيقة على
الملآ. ان هذا القول يلخص وضع حرية الرآي و التعبير في هذه البلاد
المسكينة طوال اكثر من عقود اربعة ، حيث يخير المرء بين ان يقول
الحقيقة ، كما يعتقد ، فيقتل ( كما في حالة والده الشيخ ) او يفر بجلده
الى( سويسرا ) حتى يستطيع المجاهرة بما يعتقد دون ان يسجن ، او يلوذ
بالصمت ، كحال ملايين السوريين .
ماذا بعد القتل ؟
من المفارقات العجيبة ان تشارك بعض الاطراف الكردية التصور نفسه بانها
جريمة جنائية ، والحل كامن في تشكيل لجنة وطنية ( لاحظوا هذه الوطنية )
للكشف عن ملابسات الجريمة ومعاقبة الجناة ، كما اقترح الحزب الديمقراطي
التقدمي الكردي مثلا ، لكي ينام الجميع بسلام و يتم اغلاق ملف القضية
بعدها الى الابد . ان قتل الشيخ المتنور د. محمد معشوق الخزنوي هو
تحصيل حاصل لانتعاش ذهنية فاشية، شوفينية ، بدائية ، متخلفة معادية
لقيم ا لتعدد و الاختلاف في الراي وللتعايش القومي المشترك على اساس
المساواة في الحقوق و الواجبات. كما ان الارضية الخصبة التي تهيؤها
الجهات المتنفذة في الدولة، وخاصة اجهزة الاستخبارات بكل تلويناتها،
لهذا الانتعاش تدفع البلاد الى افواه الحيتان التي بدآت بتهريب اموالها
الى الخارج تمهيدا للسقوط المريع الذي ينتظر عروشهم القائمة على نهب
البلاد وقتل العباد. لن يكون الخزنوي القتيل الاخير بالتآكيد ، حيث ان
استمرار انتعاش ذهنية الاقصاء و الالغاء وانكار الحقوق وعدم تقبل الآخر
والبقاء معزولا عن قيم العصر الحديث في سواد قوانين المجتمع المدني
والاقتراع الحر، سيساهم اكثر فاكثر في ازدياد اعداد القتلة . ان الذين
يعيشون في ظل قوانين الطوارئ وفي ظل الراي الواحد و الحزب الواحد
وانعدام قانون عصري للصحافة و للاحزاب، وفي ظل الحكم بالاعدام او السجن
او النفي بسبب الانتماء السياسي ، سيظلون متمسكين باللجوء الى اكثر
الوسائل انحطاطا في حل مشاكلهم العالقة مع اصحاب الرآي الاخر الا وهو
القتل .
|
|
|
|
المقالات
المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع |
|
|
|
HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE |
|
|
|
|
|